أما الفهم، فهو فهم الدين، باعتباره تعاليم هادية إلى الحقّ. وفهم الواقع الإسلامي، الذي يراد إصلاحه. فلما كان هذا الفهم شرطًا ضروريًّا للتدين وجب أن يؤصل فيه البحث من جهة كونه فهمًا لأجل التنزيل، وما يقتضيه ذلك من أسس للفهم ومن قواعد فيه، سواء فيما يتعلق بفهم تعاليم الدين من أصولها، أو بفهم واقع المسلمين في مكوّناته المتشابكة وأبعاده المختلفة.
وأما الصياغة، فهي إعداد التعاليم الدينية في هديها المطلق لتكون مشروعًا مقدّرًا على قدر الواقع الزمني، الذي يراد إصلاحه، بحيث يكون مؤسسًا على الهدي الديني، ومعتبرًا فيه خصائص الواقع، حتى يكون قابلًا للتنزل عليه، والفعل الإيجابي فيه، وذلك ما يشبه عمل المهندس المعماري، حينما يصوغ مشروعًا معماريًّا يبنيه على أصول من حقيقة العلم الرياضي والفيزيائي، ويعتبر فيه خصائص البيئة التي سيُقام فيها المشروع.
وأما الإنجاز، فهو التنزيل الفعلي للمشروع، الذي وقعت صياغته من حيث الكيفية التي يكون عليها ذلك التنزيل، والوسائل التي يتم بها، والمسالك التي ينبغي أن يسلكها، والآداب التي تضمن حسن الأداء، وتفضي بالتالي إلى أن يؤتي المشروع أكله، في اندراج السلوك الفردي والاجتماعي في الهدي الديني.
تلك محاور ثلاثة سنحاول فيما يلي شرحها بما يتيسّر من معُونة الهادي المبصّر بالحقّ، ومن لم يهد الله فلا هادي له.
في فقه الفهم
التدين كما ذكرنا سابقًا، هو انفعال الواقع الإنساني بالتعاليم الإسلامية انفعالًا مقصودًا، تحدثه إرادة الإنسان على سبيل التكليف الملزم. فعناصره المتفاعلة إذًا هي: واقع الحياة الإنسانية المتمثلة في تصوّراته الذهنية، وفي سلوكه، ونظم حياته، وسعيه في تدبير معاشه. ومنظومة متكاملة من التعاليم الموجّهة للتصوّر والسلوك معًا وإرادة إنسانية تكيف التصور والسلوك بحسب تلك التعاليم.