الصفحة 27 من 233

وبالنظر إلى هذا التشابك المعقد في واقع المسلمين، فإن الواجب يبدو أكيدًا إلى نفير المفكرين الإسلاميين، للنظر المجدّد في فقه منهجي، يهدف إلى المساعدة على تخليص الواقع الإسلامي في مجالاته المختلفة، من مظاهر الزيغ عن السلطان الديني، ودفعه إلى وضع من التدين الشامل، يزكو به المجتمع، في سيرورته الخلافية في خطّيها: ترقية الدّات، وتعمير الأرض. وإن في الأدب الفقهي والأصولي للمسلمين لمصدرًا ثرًّا، في استلهام هذا الفقه المنهجي للتدين، بل هو في الحقيقة ليس إلا نفسًا مستجدًّا لذلك الأدب، يتجاوب مع مستجدّات الواقع الراهن. كما أن في الكسب الإنساني من العلوم المختلفة معينًا على التقدّم في هذا العمل المأمول العظيم الشأن، وليست التجربة التي اكتسبها العاملون الإسلام فكرًا وحركة خلال قرن مضى، بأقل أهمية من العاملين السابقين، في النهوض بهذا المشروع المطروح على الفكر الإسلامي.

وليس ما سأطرحه تاليًا في هذا البحث سوى إثارة لقضية فقه التدين، التي ظلت تشغل الذهن، وتشكل همًّا من همومه، انعكس من التأمل في واقع الدعوة الإسلامية، فيما تلاقيه من عوامل النجاح وعوائقه، وهو همّ يسعى إلى أن يجد له متنفسًا في حل نضيج، ولكنّ ضعف المُنّة في هذا المجال، يجعله لا يظفر إلا بما يشبه الخواطر المثيرة، التي تفيد في إبراء الذمة، أكثر مما تفيد في الدفع إلى إنجاز هذا المشروع الكبير، ولا شك أن فقهاء الصحوة الإسلامية، على وعي عميق بأهمية هذا المشروع، وأن كثيرًا منهم يتوفر على كفاءة عالية للنظر المستجد في فقه التدين، بل بعضهم قد شرع في ذلك عمليًا، فهذه صيحة حادية للمضي في إنجاز هذا الفقه وإنضاجه، فإن عليه يتوقف إلى دّ كبير تغيير الواقع الإسلامي، نحو الاندراج المتنامي في سلطان الدين الحنيف.

وأحسب أن فقه التدين، بما هو منهج لتنزيل الدين على الواقع، ينبغي أن يتأسس على محاور ثلاثة رئيسة هي: الفهم، والصياغة، والإنجاز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت