الصفحة 26 من 233

ولكن لما رجع المصلحون، ومن استجاب إليهم، إلى ما به يكون استئناف الحياة الإسلامية وفق تعاليم الدين في ساحة الواقع الراهن لم يجدوا من أدب التنزيل، وفقه التدين، ما يحقق الإصلاح المنشود، لا على مستوى القواعد والمناهج في ذاتها، بل على مستوى الإمكانية الفكرية للوعي بها، واستئناف إنتاجها أيضًا. ولا غرو فإن سند هذا الفقه انقطع في الأمة أو كاد طيلة عهود الانحطاط، التي تعطل فيها الاجتهاد.

وقد كان هذا الأمر بمنزلة الإحباط المضمر، الذي شعّب مواقف المنخرطين في الصحوة لإسلامية، شعبًا مترددة بين اليأس والرجاء، وبين السطحية المتعجلة، والوعي المتأني، إلى ما يقارب التردّد. فسقط بعضهم في الرّفض لواقع المسلمين، والانسحاب منه، وحلموا ببناء مستقل لواقع جديد، خالص من أدران الجهالة، متمحّض لتنزيل الدين في صورة الكمال. واستيسر آخرون الحلّ، فرأوا أنه لو أزيلت عقاباتٌ سياسية، لأمكن تحويل المجتمع الإسلامي طرفة عين، إلى مجتمع متدين، على درجة عالية من التدين. وأدرك آخرون ما عليه الأمر من تعقيد، يستلزم فقهًا عميقًا شاملًا في تنزيل الدين على واقع المسلمين، ولكن إنجاز هذا الفقه لم يتم بعد، ولعل طلائعه الأولى بدأت تلوح في جهاد بعض الحركات الإسلامية.

والمتأمل في واقع المسلمين اليوم يجده واقعًا في غاية التعقيد، فقد اختلط فيه الحق بالباطل، في صورة التدين التي هو عليها، إذ استصحب جوانب من الحياة خاضعة لسلطان الدين، ولكن جوانب أخرى غشيتها الجهالة، فندّت عن ذلك السلطان، واندرجت تحت سلطان الهوى، أو سلطان الثقافات الوافدة، الشديدة الوطأة بثقل الحضارة الغربية الغالبة، وقد تشابكت في إنتاج هذا الواقع عوامل نفسية واجتماعية وحضارية وتاريخية متداخلة، صنعت كلها ظرف تشديد في التأبّي على إرادة الإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت