الصفحة 25 من 233

ولا يخفى أن الفقه الإسلامي لم تدم جولة مدّه الحيّ طويلًا، إذ سُرعان ما آل أمره إلى التقليد، والاكتفاء بما اجتهد فيه كبار الأئمة في التنزيل، كما أن علم أصول الفقه تكاد تكون حركته الإنتاجية قد توقفت مع الإمام الشاطبي، وهو ما كان سببًا في ضعف فقه التدين عند المسلمين، إذ انحسر رافده التطبيقي المتمثل في الفقه المتنامي، كما انحسر رافده التنظيري المتمثل في الحركة التطورية لأصول الفقه. ودام ذلك في واقع الفكر الإسلامي زمنًا طويلًا، كان فيه قاصرًا عن أن يصوغ من الأوامر الإلهية مشروعًا واقعيًا، يصوّب حياة المسلمين إلى الوجهة الصحيحة في الاستخلاف والتعمير، وذلك بما فقد من الآداب في فقه التدين، الذي به يكون مثل ذلك العمل.

وفي هذا العصر وجد المسلمون حياتهم تجري في كثير من مجالاتها على غير هدي من الدين، بما كسبوا من تخلف حضاري أبعدهم بذاته عن الأخذ ببعض التعاليم، في جوانب من حياتهم ودفعهم بما أحدث فيهم من انهزامٍ في الإرادة، إلى إحلال توجيهات من الثقافة الغربية، محل التوجيه الديني في جوانب أخرى، حتى أصبح سلوكهم الفردي والجماعي مخلوطًا فيه الحق بالباطل، والباطل فيه أظهر، سواء في مجال التزكية للذات أو في مجال التعمير في الأرض.

وقد قامت الحركات الإصلاحية الدينية، تبشر بالعودة إلى قيومية التعاليم الدينية على سلوك المسلمين. وحققت نتائج هامة في الإقناع بذلك؛ إذ حركت النفوس الكثيرة إلى أن تجعل من الدين السلطان الهادي في كل عمل، وأصبح ذلك ظاهرة متنامية في العالم الإسلامي، متمثلة فيما اصطلح عليه بالصحوة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت