الصفحة 24 من 233

والاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، كما شرحه الشاطبي، هو ما يساوي تقريبًا فقه التدين؛ إذ هو الذي يكون به تكييف الأفعال والأحداث الجزئية على حسب مقتضيات أحكام الدين الكلية. وقد بين الشاطبي أيضًا أهمية هذا الفقه في حركة الحياة الإنسانية، وفق التعاليم الإسلامية فقال:"لو فُرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن؛ لأنها مطلقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنما تقع معينة مشخصة، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذه المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام". (5 )

ولو عدنا إلى التراث الفقهي الإسلامي، في عهد ازدهاره خاصة، لوجدنا فيه صورة ناضجة لفقه التدين؛ إذ المذاهب الفقهية في نشأتها وفي تطورها، ليست إلا اجتهادات الأئمة في تنزيل الدين على واقع الحياة، بما تقتضيه الظروف المختلفة، زمانًا ومكانًا، ولذلك تلونت هذه المذاهب بألوان الأوضاع البشرية في ا لمناطق التي نشأت فيها، رغم أنها تقوم كلها على تنزيل الأوامر الإلهية الثابتة. ويظهر هذا المعنى جليًا في كتب الفقه للأئمة المجتهدين، وكتب تلاميذهم، قبل القرن الرابع خاصة، كما يظهر أيضًا في كتب النوازل والفتاوى، حيث تنطق هذه الكتب بالكيفية التي جرت عليها الملاءمة بين أحكام الدين، وبين أحداث الحياة.

وعلى مستوى التنظير لفقه التدين زخر الأدب الأصولي الفقهي بجهود وضيئة، في ضبط قواعد لهذا الفقه، يعتبرها الفقيه عند تنزيله الأحكام على الواقع، موازية لتلك القواعد، التي يعتبرها عند فهمه للدين من أصوله. ولعل من أبرز الأبواب الأصولية التي كرست لفقه التدين هو باب مقاصد الشريعة، الذي أصل البحث فيه وأنضجه الإمام الشاطبي في كتابه"الموافقات"، ثم استأنف فيه التأصيل والإنضاج الإمام محمد الطاهر بن عاشور في كتابه"مقاصد الشريعة الإسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت