الصفحة 23 من 233

ولعل هذا الفقه أشد تعقيدًا، وأكثر صعوبة من فقه الدين؛ لأن هذا الأخير يكون دائرًا على العلاقة بين مصدر الدين قرآنًا وحديثًا ، وهو منضبط في خصائصه ومواصفاته وبين العقل المدرك، وهو منضبط في قانونه الإدراكي. أما فقه التدين فإنه يدور على العلاقة بين عناصر ثلاثة، تضم إلى جانب العنصرين السابقين عنصر واقع الحياة الإنسانية، وهو عنصر شديد التعقيد في أسبابه وتفاعلاته وملابساته، فكان بذلك متأبّيًا عن الانضباط المنطقي المطرد، نزاعًا إلى الخصوصيات المستأنفة بحسب تغاير الظروف والأفعال. وهذا ما يجعل فقه التدين أقل حظًّا في الاطراد المنضبط من فقه الدين، وبذلك يكون أكثر صعوبة وتعقيدًا.

وقد أشار الإمام الشاطبي إلى هذا المعنى فيما سمّاه بالاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وقال فيه: إنه اجتهاد لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة، كما قال فيه: إن"معناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محلّه... ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر، ومع ذلك فلكل معيّن خصوصية ليست في غيره ولو في التعيين نفسه، وليس ما به الامتياز معتبرًا في الحكم بإطلاق، ولا هو طردي بإطلاق، بل ذلك منقسم إلى الضربين، وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين، فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة، إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب". (4 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت