الصفحة 22 من 233

لكنّ فقه الدين ليس بكاف في تحقيق الغاية التي من أجلها نزل هديًا للناس؛ إذ الغاية منه تكييف الحياة، في التصور والسلوك، في واقعها الزمني، في الاتجاه الذي يحقق الخلافة في الأرض، وليس فهم التعاليم الدينية إلا المرحلة الضرورية، التي تسبق منطقيًّا تكييف الحياة، إلا أنها ليست بالضرورة مؤدية إليها باعتبار ذاتها، فقد يحصل فهم الدين، ولكن لا يحصل تطبيق الدين (أي التدين ) على وجه قويم يؤدي إلى الغرض من الدين؛ وذلك لأن التدين يستلزم هو أيضًا لكي يكون قويمًا فقهًا خاصًّا، هو فقه التدين، كما أنّ فهم الدين يستلزم فقهًا خاصًّا هو فقه الدين.

إن التعاليم الدينية هي تعاليم مجرّدة كما ذكرناه آنفًا، فهي تهدي أفعال الإنسان على مستوى نوعها المجرّد عن عناصر التشخص، ولكن التدين يقتضي أن يُنزّل المكلف تلك التعاليم المجرّدة على أفعاله العينية، بمعطياتها الزمانية والمكانية، وبحيثياتها التشخيصية، وهو ما يستلزم جملة من الآداب التي تيسر ذلك التنزيل، وتجعل الفعل المشخص منفعلًا بالمبدأ الكلي المجرّد، وتلك الآداب هي التي نعنيها بفقه التدين.

وقد يبدو لبعضهم أنه إذا حصل فقه الدين وإيمان به، كان ذلك كافيًا بذاته لأن ينصلح به واقع الأفعال الإنسانية بصفة آلية، فلا تكون لذلك حاجة لفقه غير فقه الدين، ولا يخلو خطاب بعض الدعاة اليوم من أثرٍ لهذه الوجهة، في دعوتهم إلى الإصلاح الديني، إلا أن التعمق في فهم طبيعة الحياة الإنسانية، وعلاقتها بالمبادئ والمثل، والتعمق في فهم آداب الفقه الإسلامي في عهود نضجه وازدهاره، يفضي إلى الاقتناع بأن إنجاز التدين في الواقع الزمني يحتاج إلى فقه خاص زائد عن فقه الدين، وهو فقه التدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت