فالتدين إذن هو جهاد لإنجاز الدين، فيه معاناة يكابدها الإنسان عبر واقعه الذاتي والموضوعي، وفي ذلك الجهاد يصوغ من تصرفاته الفردية والاجتماعية والكونية، في مكابدته لواقع النفس والمجتمع والكون أفعالًا جزئية غير منحصرة يحقق بها كليات الدين، ويقترب بها قدمًا من المثال الكامل، على قدر ما يصيب في اجتهاده، وما يخلص في جهاده، في حركة لا تستنفد أغراضها بتحقيق الكمال، ولكن يتجدد زخمها ويشتد بما يُحسن الإنسان من أساليب التدين في تزكية النفس وتعمير الأرض.
وللدين فقه خاص، لا يتحصل إلا به، وهو تلك القواعد والطرائق التي بها يقع فهم المراد الإلهي في هدي الإنسان، كما جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة. فالله تعالى خاطب العباد بالتكليف بطريق الوحي، الذي كانت خاتمة حلقاته الوحي المحمدي. ولهذا الوحي المحمدي خصائص ومواصفات، بعضها يرجع إلى صفة الخاتمية، التي منها انبثقت صفة العموم والكلّية، وبعضها يرجع إلى طبيعة اللسان العربي، الذي كان لسانًا للوحي الخاتم. وتقتضي هذه الخصائص والمواصفات آدابًا معيّنة في فهم خطاب الله تعالى لعباده فما كان مقصودا صريحا للشريعة، وما كان غير صريح، وفيما كان منصوصًا عليه أو غير منصوص عليه. وهي آداب تستمد قوامها من قانون لسان العرب، ومن المقاصد الكلية للشارع، ومن ظروف نزول الوحي، بناء في ذلك كله على قانون العقل في الإدراك. ومن ذلك كله يتكون فقه الدين، الذي به يتمّ فهم المراد الإلهي في خطاب الشريعة.