أما التدين فإنه بما هو كسب إنساني في تكييف الحياة بتعاليم الدين يتصف بالمحدودية والنسبية؛ ذلك لأن الإنسان في كسبه الديني يغالب عوائق الواقع المادية، متمثلة في شهوات النفس من جهة، وفي عناد البيئة الكونية في الاستجابة لمطالبه من جهة أخرى، فإذا هو يحقق في التدين قدرًا من مطلوبات الدين، يتناسب مع ما يمضي فيه من الجهاد لترقية الذات، وتزكية المجتمع، واستثمار الكون اقترابًا في ذلك من الله تعالى بما يبلغ من رضاه، ولكنه على أية حال لا يبلغ في تدينه تحقيق الدين الكامل، فإن طبيعته الذاتية وواقعه البيئي لا يسمحان ببلوغ تلك الدرجة، وقدره أن يكون كادحًا إلى ربه بالتنامي في التدين حتى يلاقيه في الدار الآخرة دون أن يبلغ من الدين مطلق الكمال. (3 )
وليست المعاناة في التدين بناشئة عن مغالبة الواقع النفسي والمادي فحسب، ولكنها مترتبة أيضًا على ما صيغ به الدين من الكلية التي لا تعتبر فيها مشخصات الأفعال العينية والظرفية، فذلك كان داعيًا لكي يحقق الإنسان التدين بحسب التعاليم الكلية، من خلال ما يتخذ لنفسه من أوضاع جزئية مشخصة في الواقع، ينبغي أن تكون مندرجة في تحقيق المقصد الشرعي، ضمن التعاليم الكلية، بمعاناة من الاجتهاد الدّائب الذي لا تضمن الطبيعة البشرية أن يكون قطعي الإصابة، بل هو عرضة للخطأ، ولكن قدر الإنسان في التدين أن يكون كادحًا إلى الله فيه كما هو كادح في مغالبة العوائق النفسية والمادية.