إن فتح أبواب الاجتهاد، على مصراعيها، لا شك أنه سوف يأتي بالغث والسمين، لكن عصمة الأمة بعمومها عن الخطأ، وتواتر الوحي في الثوابت، التي تحمي كيان المجتمع من العبث. وطبيعة التعدد والتباين بوجهات النظر، والتدافع، يبدد الخوف، ويبقي الأصلح، وقد يكون من أهم عوامل تبديد الخوف الإدراك بأن الاجتهاد الفكري أو الفقهي هو كسب بشري، قابل للفحص والاختبار، والتصويب والتخطيء، والحوار والجدل، وليس له صفة القدسية، أو على الأقل ليس هو الدين، وإنما هو فهم الإنسان للدين، وخطأ هذا الفهم لا يعني بحال من الأحوال خطأ الدين المعصوم، لذلك قد يكون لنا بعض التحفظ على كثير من المصطلحات الموهمة أن اجتهاد فلان هو الدين، فلا قدسية لرأي ولا اجتهاد، ولا كهانة في الإسلام، ولا حملة كتاب مقدس، ينطقون باسم الله. وإنما هي فهوم بشرية لتنزيل الإسلام على واقع الناس، معرضة للخطأ كما هي معرضة للصواب. وكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر، كما يقول الإمام مالك رحمه الله، لأنه مسدد بالوحي ومؤيد به، ولا شك أن كثرة الحوار حول الأمور الفكرية والفقهية المطروحة، يبلور الصواب، ويسدد الوجهة، ومن هنا نقول: إن ما ورد في الكتاب من اجتهادات فكرية أو فقهية تبقى قابلة للفحص والاختبار، والتحاور والتفاكر، والتناظر والتشاور، ذلك أن فهم الإسلام ليس حكرًا على إنسان أو جماعة أو مؤسسة أو منظمة أو طائفة، أو عصر، عدا عصر النبوة، ولعل الكتاب الذي نقدمه بجزئيه يطرح مجموعة من القضايا الهامة للمناقشة التي تثير الجدل وتستدعي الحوار، وتحرك العقول، وتشحذ الفاعلية، وعلى الرغم من أن بعض الرواد، وفقهاء الدعوة المعاصرين، طرحوا موضوع فقه التدين، ووضعوا له بعض المعالم والملامح، وفتحوا للعقل المسلم أكثر من نافذة، ليطل منها المهتمون بالقضية الإسلامية. ولسوف يبقى لهم أجر السبق والدلالة على الخير، إلا أن الكتاب الذي نقدمه قد توفر على القضية، وأصلها