ولو أردنا تأييد ذلك، ببعض الشواهد من المسائل العقدية، التي تبدو أكثر تجرّدًا من غيرها، لرأينا على سبيل المثال، أن قضية"الفعل الإنساني بين الحرية والجبرية"قد أصبحت قضية كلامية، لمّا تفشى في المجتمع الإسلامي، أواخر القرن الأول، التعلل بالقدر المقدور، في إتيان المعاصي، واقتراف الآثام، من قبل كثير من المتحللين من قيود الشريعة، وهو ما جاء يشكوه أحد المخلصين من المسلمين لعبد الله بن عمر قائلًا:"ظهر في زماننا رجال يزنون، ويسرقون، ويشربون الخمر، التي حرم الله، ثم يحتجون علينا ويقولون: كان ذلك في علم الله". (7) وكذلك لما أصبح بعض حكام بني أمية يتعللون بالقدر، في تبرير ظلمهم وبغيهم على الناس، مثلما ذكر، من أنه لما قتل عمرو بن سعيد بن العاص، على عهد عبد الملك بن مروان، طرحت رأسه من أعلى القصر بين يدي جمع من أصحابه، كانوا يترقبونه، وقال الذي طرحها لمترقبين: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ. (8) فهذه الظاهرة الخطيرة في سلوك الناس نشأت لمعالجتها مسألة"الفعل الإنساني"متمثلة في القول بحرية الإنسان، في فعله ومسئوليته عليه، وهو ما ابتدأه القرية الأوائل: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ثم طوره المعتزلة، فأصبح أصلًا من أصولهم الخمسة، سموه بأصل العدل.
ولو انتقلنا إلى قضيتي"الذات والصفات"،"وخلق القرآن"، لوجدنا أنهما على ما يبدو في الظاهر، من افتقادهما للمبرر الواقعي، قد كان البحث فيهما ردًّا على محاولات مسيحية ومجوسية، كانت غايتها التشويش على التوحيد الإسلامي الخالص، وجره إلى ضرب من التعددية، التي قد تؤول به بمرور الزمن، إلى عقيدة تعدد الإله.