الصفحة 135 من 233

وهكذا يبدو أن موضوعات الفكر الكلامي، مهما بدت في ظاهرها عقلية مجردة، فإنها في حقيقة نشأتها، وفي سيرورتها طيلة قرون ثلاثة على الأقل، كانت تعالج مشاكل واقعية حية، تروم حلها على أساس عقدي، بقطع النظر عما حف بتلك المعالجة من ملابسات. وعما شابها أحيانًا من مغالاة وشطط.

ثالثًا: واقعية الصياغة في المنهج

كما كان الفكر العقدي واقعيًّا في نشأته وتطوره وموضوعه، كان أيضًا واقعيًا في منهجه، فقد كان يستعمل الأساليب الاستدلالية، التي تناسب التحديات المطروحة، ويطور من تلك الأساليب بحسب تطور التحديات.

وقد كان الاستدلال النقلي أول الأساليب، التي استعملت في الفكر الكلامي، حيث يتخذ من نصوص القرآن والحديث شواهد على الآراء العقدية، في الحوار الدائر بين الفرق الإسلامية، تأصيلًا لهذه الآراء في أصول الوحي، بطريق التأويل، أو ردًّا للشواهد المخالفة لها، بطريق النقد، لما هو ضعيف منها أو منحول. وقد ظل هذا الاستدلال النقلي مواكبًا للفكر الكلامي طيلة مسيرته في الحوار الداخلي بين المسلمين. (9)

ولما نجمت تحدّيات أهل الأديان والمذاهب، في القرن الثاني، نشأ لدى المتكلمين الأسلوب العقلي في الاحتجاج؛ ذلك أن هذه التحديات كان أهلها من النصارى والمجوس، متمرسين بالفلسفة اليونانية، ومنطقها الصوري، فاستخدموا آليات هذه الفلسفة للاحتجاج، نصرةً لمعتقداتهم، ونقدًا للعقيدة الإسلامية، ولذلك بادر الفكر العقدي باستعمال الحجة العقلية، في مقابلة هذا التحدي، وأصبح هذا الأسلوب هو الأسلوب الغالب على الفكر ا لكلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت