الصفحة 133 من 233

وقد كانت قضية النبوة أكثر تأخرًا في ظهورها قضية كلامية، وذلك لأن التحدي الوارد فيها، إنما جاء من أصحاب ديانات الهند، في الأكثر، وخاصة السُّمنية والبراهمية، ولم يكن لهذه الأديان رواج ظاهر بالبلاد الإسلامية، إلا أواخر القرن الثاني؛ إذ أن"يحيى بن خالد البرمكي [ت 190هـ] بعث برجل إلى الهند، ليأتيه بعقاقير موجودة ببلادهم، وأن يكتب له أديانهم في كتاب، فكتب له" (6) في ذلك كتاب؛ ولذلك فإن القرن الثالث، شهد البحث المستفيض في قضية النبوة، من قبل المتكلمين، دفعًا لما روجه منكرو النبوة وخاصة منهم ابن الروندي (ت 298هـ) وأبو بكر الرازي ـ 311هـ .

والمسائل الطبيعية، التي أصبحت جزءًا من الفكر الكلامي، لم ينشأ البحث فيها، إلا حينما تفشت الفلسفة اليونانية، في المجال الثقافي الإسلامي، من قبل الفلاسفة الإسلاميين، وخاصة منهم الفارابي (ت 339هـ) ، فحينئذ أصبح علماء العقيدة يبحثون المسائل الطبيعية، لاستخدامها مقدمات في إثبات العقيدة، ردًّا على المقولات الفلسفية اليونانية، المخالفة للعقيدة الإسلامية. وهكذا يبدو أن الفكر الكلامي كان ينمو ويتطور بالمعالجة المستجدة، لما يطرأ من مشكلات واقعية بتنظير عقدي، ولم يكن متولدا من فكر فلسفي مجرد.

ثانيًا: واقعية الصياغة في الموضوع

نعني بها أن الموضوعات التي بحثها الفكر العقدي، كانت موضوعات ذات صلة متينة بما يجري في واقع الحياة الإسلامية، وليس شأنها في ذلك شأن الموضوعات الفلسفية، التي كانت تطرح على المنهج اليوناني، فليس من مسألة من المسائل العقدية إلاّ تمثل رد فعل دفاعيًّ على حادثة ناشبة في الحياة الاجتماعية، تخل بأغراض الدين فيها، أو مقولة طارئة من أهل المذاهب والأديان، تنال بصفة مباشرة من العقيدة الإسلامية، ولا يند عن ذلك ما يبدو لنا اليوم من مسائل موغلة في التجريد، لا تمت إلى الواقع بصلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت