وكما كان الفكر العقدي واقعيًّا في نشأته، كان أيضًا واقعيًّا في تطوره، فقد كان تناميه، في الموضوع وفي المنهج، محكومًا بمقتضيات الأحوال الاجتماعية والثقافية، كما كان ترتيب مسائله في الظهور، بحسب ذلك أيضًا، وهو ما تعكسه الكتب العقدية الأولى التي وصلتنا، رغم أنها تعود إلى القرن الثالث، مثل مؤلفات الأشعري والماتريدي، فقد كانت المسائل تعرض فيها عرضًا أقرب إلى نسقها التاريخي، وليس الترتيب الذي نجده في الكتب المتأخرة بعد القرن الخامس، إلا صنعة عقلية منطقية، لنظم المحصول الكلامي، في سياق مدرسي.
وإذا أردنا التمثيل لذلك، فإننا نجد أول ا لمسائل الكلامية ظهورًا، هي تلك المسائل، ذات الصلة الوطيدة بالواقع الاجتماعي، وعلى رأس هذه المسائل مسألتا"الفعل الإنساني""ومرتكب الكبيرة"، فقد كانت لهما جذور في أحداث الفتنة منتصف القرن الأول، ثم آل البحث فيهما إلى التنظير العقدي، أواخر القرن، من قبل القدرية، والمرجئة، والخوارج، لتصبحا النواة الأولى في الفكر الكلامي لدى المعتزلة.
ومسألة الألوهية المتقوّمة بما عرف بقضية"الذات والصفات"لم ينشأ البحث فيها إلا في القرن الثاني، حينما طرحها واصل بن عطاء رأس المعتزلة، طرحًا غير نضيج، كما وصفه الشهرستاني، وإنما أصبحت مسألة مهمة في المداولة، أواخر القرن الثاني، وكان نشوؤها مُتأخرًا نسبيًّا، بسبب أن القرن الأول لم يظهر فيه التحدي لعقيدة الألوهية، في المنظور الإسلامي، مثلما ظهر في القرن الثاني، متمثلًا في عمل اليهود على نشر تجسيمهم، والنصارى على إشاعة تثليثهم، والمجوس على تسريب ثنائيتهم.