الصفحة 131 من 233

وهذه الحادثة كما رواها الشهرستاني هي أنه:"دخل واحد على الحسن البصري فقال له: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج. وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان… وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا، ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن، ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة". (3)

ويبدو من هذه الحادثة، أن نشوء المعتزلة، كان بسبب حل مشكلة عملية، تتعلق بتحديد حقيقة الإيمان، وتعيين منزلة مرتكب الكبيرة منه، وقد كان هذا الأمر منشأً لفتنة كبيرة في المجتمع الإسلامي، اتخذت لها وجهين: التذرع بالإرجاء في إتيان الآثام والمعاصي، حيث لا تضر مع الإيمان معصية، والتذرع بتكفير المذنبين لإعمال القتل فيهم، كما فعل الأزارقة من الخوارج. وقد ربط البغدادي بين هذا الواقع، وبين خروج واصل بن عطاء، بقوله بالمنزلة بين المنزلتين ربطًا سببيًّا حيث يقول:"فلما ظهرت فتنة الأزارقة، بالبصرة والأهواز، واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب، على الوجه الخمسة التي ذكرناها، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان". (4) وبذلك يتأكد أن ظهور علم الكلام مترافقًا مع الاعتزال كان معالجة تنظيرية عقدية لمشاكل واقعية سياسية واجتماعية. (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت