ولعل من أبرز هذه العناصر السلبية، التي جرها التاريخ، ضعف التمثل لقانون السببية، في الثقافة العامة للمسلمين. فقد فشا في الأمة الإسلامية، منذ بداية عهد الانحطاط، اختلال في الإيمان بمبدأ السببية، الذي به الترابط العلي بين الموجودات، وانعكس هذا الاختلال على أسلوب التفكير، فداخلته الأوهام، وقصر عن استكشاف الحقيقة الكونية، المبنية على سنة السببية، كما انعكس على السلوك، فداخله التواكل، وقصُر عن ا لتعمير في الأرض. ومهما كانت الأسباب في هذا الاختلال، من حيث يذكر أن شيوع التصوف يعد أهمها، فإنه ظل مُسْتصحبًا ليشكل اليوم عنصرًا من عناصر الواقع الإسلامي، يسهم إلى حد كبير في تكريس مظاهر كثيرة من الحياد عن القبلة الإسلامية، في أغراض التعمير المادي على وجه الخصوص.
وكذلك فقد جرّ التاريخ منذ بداية الانحطاط كلالة، استصحبها المسلمون تمثلت في فتور الفعالية، والقصور عن استثمار الإمكانات المتاحة، إلى آخر مداها في الإنجاز: إما عجزًا عن الأداء أو ركونًا إلى الدعة. ولعلّ من أهم أسباب هذا العنصر ضمور عامل التعبئة النفسية للفعل الحضاري، فقد ظلت حرارة الإيمان، واستشعار الرسالة الملقاة على عاتق المسلم إزاء البشرية، تصنع عامل تعبئة قويًّا للمسلمين، يحفّز قواهم، ليدفعها إلى أقصى طاقتها في الفعالية، فانطلقوا ينجزون الكثير في الوقت القليل. فلما تراخى الزمن، وغشيت أسباب أخرى، ضمر عامل التعبئة، فضعفت الفعالية إلى حد كبير، وهو الوضع الواقع الآن، سواء نظرت إلى المسلمين أفرادًا، أو نظرت إليهم جماعات ودولًا، فقد أوقعتهم الكلالة في الكثير من المواقع الضالة الفاسقة عن الدين. وإن فهم هذا العنصر يعتبر أساسًا من أسس الفهم الشامل للواقع الإسلامي.