لقد عرضنا مثالين إيجابيين، وآخرين سلبيين، من العناصر الفاعلة في الواقع الإسلامي، مما جرّه التاريخ في تراكم أحداثه، وهذه العناصر وغيرها مما لم نذكره من نوعها تعبّر عن الجذور التاريخية لواقع المسلمين، فلا يمكن استيعاب هذا ا لواقع والنفاذ إلى حقيقته، إلاّ باستيعاب جذوره، التي لها دور الفعل فيه، كالشجرة لا يمكن فهم ما يظهر على أوراقها وثمارها من عوارض النضارة أو الاعتلال، إلاّ باستيعاب ما يعتري جذورها من الأغذية والآفات، فترسم على أساسها خطّة علاجها وتزكية ثمارها.
ج - عامل الحضارة الغربية:
لقد سادت الحضارة الغربية اليوم، حتى لم يبق مجتمع من المجتمعات الإنسانية إلا لها عليه سلطان بوجه من الوجوه. وثمة مجتمعات لم تكن في التاريخ ذات حضارة نامية متميزة، فتلك تقبلت الحضارة الغربية ابتداء، وانساقت في دائرتها دونما صراع بين كسبها القديم وبين الحضارة الوافدة، إذ لم يكن ذلك الكسب على قدر ا لصراع. إلاّ أن المجتمع الإسلامي وهو سليل حضارة تليدة متميزة، كانت ذات يوم حضارة عالمية، لما وفدت عليه الحضارة الغربية، حدث فيه صراع بين الحضارة الغربية وبين مستصحبات حضارته الآفلة. وقد كان لهذا الصراع آثار فاعلة في واقع المسلمين الراهن، وهي آثار متأتية من لقاء صدامي بين حضارة شاملة، تنبثق من خلفية إيديولوجية مادية وبين بقايا من حضارة شاملة أيضًا تنبثق من خلفية إيديولوجية عقدية دينية. فنشأ من ذلك اللقاء الصدامي غلبةٌ من قبل الحضارة الغربية الأقوى، وردّ فعل متوتر من قبل بقايا الحضارة الإسلامية الآفلة، ومن تلك الغلبة وردّ الفعل المتوتر نشأ عامل من العوامل المهمة المؤثرة في الواقع الإسلامي، الفاعلة في أحداثه.