ويمثل هذا الحس الحضاري عنصرا مهماًّ في الواقع الإسلامي؛ ذلك لأنه يمثل قوة مخزونة للتقبل الحضاري على الأسس الإسلامية، وهي قوة يكون لها بالتأكيد دور مهم في تنزيل صيغ لمشاريع حضارية إسلامية، حيث تصادف هذه الصيغ مناخًا نفسيًّا يتلاءم معها لعهد سابق بصيغ من جنسها، فيسهل تقبلها وإنجازها. وعلى العكس من ذلك فإن أية صيغ حضارية، تتقوم بإيديولوجية غير إسلامية، يكون موقعها من النفوس موقع الغربة في الحقيقة، وإن فرض التيار الحضاري العام تبنّيها في الظاهر. ولعل هذا الأمر من أهم الأسباب في فشل المسلمين إلى حد الآن في أن يبرزّوا في جانب من جوانب الحضارة الغربية السائدة؛ إنها حضارة مخالفة في روحها العامة للروح الحضارية المستكنة في نفوسهم.
ولا يخفى أن هذا التقبل الحضاري، الذي يصاحب المسلمين بترسب الإحساس الحضاري في نفوسهم، يمثل عاملًا نفسيًّا مهماًّ في تقويم ما انحرف من حياتهم عن سمت الدين، حيث يستغل ذلك التقبل في صياغة النمط المواتي له، تأصيلًا على الحقيقة الدينية، فيأخذ طريقه إلى الإنجاز بيسر، وذلك يصحّ في المظاهر المادية، كما يصحّ في المظاهر المعنوية، على حد سواء، ومن ثمة يكون الوقوف على هذا العنصر في سبيل فهم الواقع الإسلامي أمرًا ضروريًّا لتسديد ذلك الفهم، وتسديد ما ينبني عليه من خطط التدين.
وكما جرّ التاريخ من ا لعناصر الفاعلة في واقع الأمة الإسلامية ما هو إيجابي كالمثالين الآنفين، فإنه جرّ أيضًا عناصر أخرى سلبية، تولدت في عهود الإنحطاط، واستصحبها المسلمون إلى هذا العهد، ولا تزال تفعل في تصاريف حياتهم فكرًا وسلوكًا، وتؤثر في واقعهم الجاري.