الصفحة 104 من 233

نعني بالعامل التاريخي ما تراكم عبر تاريخ الأمة الإسلامية من معطيات إيجابية أو سلبية، استصحبها المجتمع الإسلامي، لتصبح عناصر مؤثرة في واقعه الحالي، بمقتضى ذلك الاستصحاب التاريخي.

ولا يخفى على المتأمل في واقع المسلمين أنه واقع للماضي دور كبير في تفاعلاته، وتوجيه أحداثه، على خلاف بعض المجتمعات الأخرى، التي خفت صلتها بالتاريخ، حتى كاد لا يبقى منه إلا ذكريات، لا فعل لها في الأحداث، وأصبح واقعها لا يخضع إلا للعوامل المستأنفة، ولعل من أوضع الأمثلة على ذلك المجتمع الأمريكي، الذي يشبه أن يكون قد انسلخ من تاريخ العالم القديم، فلم يعد له فعل يذكر فيه.

ويفعل التاريخ في واقع المسلمين، عبر جملة من المعطيات المستصحبة ذات الصبغة الكلية ا لعامة، وهي معطيات تكونت وترسخت بمرور الزمن، حتى أصبحت تجري من تصرفات المسلمين على المستوى الفردي والجماعي مجرى الموجه للمواقف والأفعال، إن بصفة شعورية أو لا شعورية.

ومن أهم هذه العناصر التاريخية وحدة الأمة الإسلامية؛ فإن التاريخ قد كرس في الأمة الإسلامية وحدة تنتظمها على امتداد أطرافها، وإذا لم تكن تلك الوحدة مستصحبة عبر التاريخ باستمرار على المستوى السياسي، وخاصة بعد سقوط الخلافة الإسلامية أوائل هذا القرن، فإنها ظلت مستصحبة باستمرار على المستوى ا لثقافي والعاطفي، فإنك لو حللت نمط الحياة: آدابًا وفنونًا وعادات وأساليب تفكير، من أدنى العالم الإسلامي إلى أقصاه، لوجدت ذلك النمط يتقوم بقاسم مشترك في جوهره، وإن تمايزت ألوانه بين قطر وآخر. وكذلك فإن التجاوب الشعوري قائم بين المسلمين، تهزهم الأفراح والأتراح، هزًّا مشتركًا، وتسري المؤثرات بينهم دون تخطيط مسبق، ولا جهد مبذول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت