الصفحة 103 من 233

وكثير من المهتمين بواقع المسلمين، على اختلاف مشاربهم، لم يقدروا هذا العامل الديني حق قدره. فسقطوا في خطأ شنيع في فهمه، وبنوا على ذلك الفهم الخاطئ تصرفات، ظنوا أنها طريقة تقويم، فلم تغن شيئًا، وربما أدت إلى عكس المرغوب. ولعل أوضح مثال لذلك، أولئك الذين هالهم ما في الواقع الإسلامي من انحراف عن الدين، فقدروا أنه ما دام الدين لا يطبق جملة في واقع المجتمع، فإن هذا المجتمع مجتمع جاهلي، مسلوبة عنه صفة الإسلام، وترتب على ذلك هجران هذا المجتمع من جهة، والعمل على مقاومة ما فيه من جهالة بوسائل مختلفة، لا يستثنى منها العنف من جهة أخرى. وكانت النتيجة أن هؤلاء لا ظهرًا أبقوا ولا أرضًا قطعوا، وما كان لتصرفاتهم أثر يذكر في تقويم الواقع.

وفي مقابل هؤلاء الذين لا يعدمون إخلاصًا، وإن عدموا الفهم الصائب، ظنّ بعض المتربصين بالمجتمع الإسلامي أن مظاهر الخلل في فعالية العامل الديني، في بعض نواحي الحياة ترسبًا لمخلفات الانحطاط الحضاري، وتأثرًا بالغزو الثقافي، هي أعراض حقيقية لتحوّل نحو تصرّم العامل الديني أصلًا، وصيرورة المجتمع إلى اللائكية والإلحاد، فتداعوا بهذا الظن في تقدير الواقع إلى تكريس كل ما فيه إضعاف لعامل الدين وإحباط له، فكانت السياسة العلمانية الشاملة، التي شهدتها مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، وقد أغفل هذا التقدير تلك الفطرة الدينية الكامنة في الأمة، والتي كانت تصرفاتهم العلمانية أحد أهم العوامل في إيقاظها، متمثلة في الصحوة الإسلامية على سبيل رد الفعل والدفاع عن الذات.

هذان المثالان على اختلاف طبيعتهما يدلان على أن العنصر الديني عامل فاعل في الواقع الإسلامي، فالخطأ في تقديره وفهمه في ظاهره وباطنه، باديه ومكنونه، يفضي لا محالة إلى قصور في فهم ذلك الواقع، ويؤدي بالتالي إلى الخسران في توجيهه ليطابق هدي الدين الذي فيه خيره وصلاحه.

ب - العامل التاريخي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت