الصفحة 102 من 233

وإذا كان الواقع الإسلامي على النحو الذي ذكرناه من حيث فعالية العامل الديني فيه، كما تبدو في ظاهر الحياة، فمن المهم جدًّا أن نلاحظ أن الضمير الجمعي العام للأمة الإسلامية، لم يفقد من الانفعال بالدين، ما فقد الواقع الخارجي الظاهر، وكأن حقيقة الدين ظلت قوة مختزنة في هذا الضمير، افتقدت من قوة الدفع ما قصرت به عن أن تفيض سلوكًا متدفقًا في مناشط الحياة كلها ولكنها لم تفقد من حضورها في الضمير ما يحبط قوتها الكامنة، بل ظلت تلك القوة مستكنّة بضغوط التراكمات التاريخية، والغزوات الثقافية، مع الاستعداد للظهور الفاعل، إذا ما توفرت شروط لذلك، وقد صور هذا المعنى أدق تصوير أحد الدعاة المعاصرين فقال في المجتمع الإسلامي بعد خبرة عميقة به:"لا تزال في كوامن فطرته أقدار من التدين، ولذلك بالتذكير القليل تستيقظ هذه الأقدار كلها، وتكاد تحدث معجزة في دفع التحول. وتشاهد أحيانًا في الفرد الواحد كيف يحدث الانقلاب فيه من حادث يطرأ عليه، أو موقف يصدمه، فيذكره بالله، فيحدث انقلاب هائل في حياته كلها، ويحدث مثل ذلك على صعيد المجتمع" (5 ) .

ومن شواهد هذه القوة للعامل الديني في وجهه الكامن في الأمة، ما حدث في العالم الإسلامي، من طفرة دينية عرفت اصطلاحًا بالصحوة الإسلامية، حينما انقلبت محافل الشباب الإسلامي خاصة منذ عقدين أو ثلاثة، بشكل يشبه أن يكون فجئيًّا، من محافل تكاد تخلو من أقدار التدين، فكرًا وسلوكًا، إلى جحافل تكاد تكون غالبة من الساجدين لله بالفكر والسلوك. وما تفسير ذلك إلا بتوفر شروط موضوعية في واقع الأمة الإسلامية، انطلق بها ضميرها الديني المستكن، يعبّر عن نفسه في توجيه الحياة الظاهرة قبلة الدين، فكانت الصحوة الإسلامية المتجاوبة في أنحاء العالم الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت