ولكن الحقيقة أن واقع المسلمين آل منذ زمن إلى وضع، لم تصبح فيه القيم الدينية هي الحاكم الأوحد، ولا الحاكم الأغلب، في كثير من المجالات ولقد انحسر السلطان الشامل للدين على مناشط الحياة، بالنسبة لما كان عليه الأمر في العهود الإسلامية الأولى انحسارًا تمثل في بهوت بعض التصورات العقدية، وتراخ في فعالية الدفع إلى التعمير في الأرض، طيلة عهود الانحطاط، كما تمثل في انسحاب كامل من بعض ميادين الحياة الاجتماعية، بفعل من الغزو الثقافي المعاصر.
ومع هذا الانحسار لسلطان الدين على واقع المسلمين، فإن العامل الديني بقي المشكِّل الأساسي لوجدان الأمة الإسلامية، فهو الذي يقوّم التصوّر العقدي العام لمجموع الأمة، مع ما يشوبه في بعض المفاهيم من بهوت، وهو الذي ينشط حياة الفرد في محيطه الفردي، ومحيطه الأسري على وجه الخصوص، مع ما يعتري ذلك من فتور في الفعالية. وإذا كانت الحياة الاجتماعية في وجوهها السياسية والاقتصادية والقانونية العامة قد انسحب منها إلى حدٍّ كبير العامل الديني، فإن بقية من الإيقاع العام في التعامل الأخلاقي والسلوك الثقافي، بقيت محكومة بهذا العامل، وهو ما يلمسه بوضوح من يقارن بين مجتمع إسلامي، ومجتمع غربي، بناءً على خبرة عملية ومعايشة فعلية.