لقد انتهينا آنفًا، إلى أن من مهام الفكر الإسلامي الإصلاحي اليوم، قراءة واقع المسلمين، قراءة عميقة، وأن هذه القراءة لا تكون موفية بالغرض إلاّ إذا كانت قراءة مفصّلة، تتناول الأوضاع، والمشاكل، مجزأة في المجالات المختلفة، فيما يشبه الفحص الطبي الشامل لجسم المريض، للوقوف على العلل في مواضعها التفصيلية. إلا أن هذه القراءة الشاملة المفصلة لا تكون مجدية، إلا إذا تمت على أساس من المعرفة بالعناصر الأساسية، التي تحكم الواقع الإسلامي، والتي تدخل في تكوين جزئياته وفصوله كلها، وتسيّر تفاعلاته كلها فالمعرفة بهذه العناصر الأساسية العامة من حيث مدخليتها في تكوين الواقع الإسلامي، تعتبر كالمفتاح الذي لا تتم معرفة التفاصيل إلا به، ولا تفهم إلا على أساسه، كما أنها تقوم مقام العاصم، الذي يعصم من الوقوع في أحكام جزئية، مفصولة عن سياقها الكلي العام، فتكون عرضة بذلك للخطأ.
هذا وإن المتأمل في الواقع الإسلامي اليوم من حيث العوامل المؤثرة فيه، تصوراتٍ ثقافية عقدية، وسلوكًا عمليًّا، يجد أن عوامل أساسية ثلاثة هي التي تفعل فيه، وعنها تصدر أحداثه، وبها تتوجه مناشطه، وذلك عن تفاوت بينها في درجة الفعل والتوجيه، ولكن بتشارك متدافع في الغالب، لا يغيب فيه واحد منها. وهذه العناصر الثلاثة هي: العنصر الديني، والعنصر التاريخي، والعنصر الحضاري الغربي. وفيما يلي بيان موجز لهذه العوامل.
أ - العامل الديني:
من المفروض نظريًّا أن التسمية بالواقع الإسلامي، تكون دالة على أن هذا الواقع موضوع بحثنا، واقعٌ محكوم بالحقيقة الدينية الإسلامية، دون غيرها حتى يكون جديرًا بهذه التسمية.