إن المتأمل في تاريخ الصوم في الإسلام يتضح لديه أن الإسلام جاء فيه فرض الصوم بالتدرج، فقد فرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان منها قبل غزوة بدر، واقتضت الحكمة الإلهية أن تجيء فريضة الصوم متأخرة بعض الشيء عن بدء ظهور الإسلام، وعن تشريع غيره من الصلاة وبعض الأحكام، وذلك لأن فطام النفس، ومنعها عن مألوفاتها، ومشتهياتها جهاد فيه مشقة لا يصبر عليه إلا القلائل ممن تمكنت العقيدة من قلوبهم، فامتلأت بمحبة الله تعالى، ومحبة طاعته، وعبادته. وذلك هو منهج الإسلام الرشيد السديد في التربية، والبناء، والتوجيه، والإصلاح، وكان من التدرج، في فرض الصيام في الإسلام أنه فرض على الناس -قبل أن يفرض صوم رمضان- أن يصوموا يوم عاشوراء، وهو يوم معظم له فضله، وشرفه، وقد ثبت تعظيمه وصومه في الديانات السابقة على الإسلام، وحفظت آثار هذا التعظيم، ومظاهره عند قريش في الجاهلية، فقد كانوا يحتفلون بهذا اليوم، ويكسون فيه الكعبة، وقد وجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مظاهر هذا التعظيم باقية في يهود المدينة بعد الهجرة، ففي الصحيحين من حديث عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه) [1] .
المبحث السادس: الصيام أدب وعفاف
(1) صحيح البخاري (2002) وصحيح مسلم (1125) واللفظ للبخاري.