والصوم موسم عظيم من مواسم التهذيب للنفوس والسمو بالأرواح يتعلم الصائمون فيه كيف يترفعون عن مظاهر الحيوانية التي كل همها الأكل، والشرب، وإشباع شهوتي البطن، والفرج، يتعلمون كيف يَسْمُون بأنفسهم إلى أن يتشبهوا بالملائكة، ويتعودوا الصبر، واحتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات والأحداث، ومكاره الحياة، وهو تصفية للنفوس من علائق الدنيا وشهواتها، وتخليص لها من الانهماك في متعها وزخارفها حتى لا تطغى المادية ويقوى سلطانها فيتحكم في السلوكيات، وحتى يكون سلطان الفضائل الطيبة هو الغالب في الإنسان، فالصوم مدرسة يتربى فيها المسلم على معان كريمة، وفضائل سامية وهي تقوده إلى أبواب الخير الواسعة، قال العلامة ابن قيم رحمه الله: «لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها ويسكن كل عضو منها، وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال» [1] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المبحث الخامس: التدرج في تشريع الصيام
(1) زاد المعاد لابن القيم (1/ 153 - 154) .