وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولي عليه بدلها ويصير الهم به كله والخطرات كلها بذكره والفكرة في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم» [1] .
والاعتكاف مرتبط بالصوم «فلم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتكف مفطرًا قط، بل قد قالت عائشة رضي الله عنها: لا اعتكاف إلا بصوم، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا مع الصوم» [2] .
ويذهب ابن قيم رحمه الله بناءً على ما تقدم إلى أن «القول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية» [3] .
ومن هديه - صلى الله عليه وسلم - في اعتكافه أنه لم يكن ينشغل بشي «وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، وكان - صلى الله عليه وسلم - يُخْرِجُ رأسه من المسجد إلى بيت عائشة فترجله، وتغسله، وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف، فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها، وكان ذلك ليلًا، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها» [4] .
(1) زاد المعاد (222) .
(2) زاد المعاد (222) .
(3) نفس المصدر (222 - 223) .
(4) نفسه (223) .