وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بخباء فيضرب له [1] في المسجد يخلو فيه بربه عز وجل «وكان إذا اعتكف طُرِحَ له فراشه، ووُضِع له سريره في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه فلا يُعرج له، ولا يسأل عنه، واعتكف مرة في قبة تركية وجعل على سدتها حصيرًا، كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف وروحه عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عِشْرَةٍ، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الحديث بينهم، فهذا لون والاعتكاف النبوي لون» [2] .
وبعد هذا العرض لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاعتكاف يتضح للمتأمل أن الانقطاع عن الشواغل أمر أساس في الاعتكاف، ومن هذه الشواغل كثرة الحديث مع الآخرين، أو الجلوس معهم، ويمكن تجنب هذا الأمر باتخاذ أحد الغرف الملصقة بالمسجد معتكفًا بحيث لا يخرج منها المعتكف إلا للدخول في صفوف المصلين عند أداء الصلوات المفروضة، وذلك أدعى إلى البعد عن الرياء، وملاقاة الآخرين، والحديث الكثير الذي لا لزوم له.
ولعلنا نقتدي بهذا الهدي الكريم حين إرادتنا الاعتكاف في شهر رمضان المبارك فنتجنب بذلك كثيرًا من السلبيات التي يمارسها كثير من المعتكفين الذين يحولون الاعتكاف إلى مناسبة للنقاش البيزنطي، والدخول في متاهات واسعة من الجدل العقيم الذي يتنافى مع روح الاعتكاف؛ هذا بالإضافة إلى كثرة الملاقاة، والتنقل للجلوس والحديث مع آخرين، ونسي هؤلاء أن الاعتكاف ليس مناسبة اجتماعية لملاقاة أهل البلد، والأصدقاء القادمين، وكثرة معانقتهم، ورفع الصوت باستقبالهم حتى لَيُخَيَّلُ للمرء حين يشاهد ذلك أنه ليس في بيت من بيوت الله، ولكنه في منتدى اجتماعي، وإلى الله المشتكى.
12)الاجتهاد في الطاعات في العشر الأواخر:
(1) يُنظر: صحيح مسلم (1172) وزاد المعاد (223) .
(2) زاد المعاد (223) .