فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 119

ويجيء الاعتكاف في أواخر شهر رمضان واحة آمنة مطمئنة يأوي إليها الصائمون يتفيئون في ظلالها الأنس بالله تعالى، ومناجاته، والقنوت له، منقطعين عن كل شاغل سوى ما يوصلهم بربهم سبحانه وتعالى، وهو دليل على قوة المعرفة بالله والمحبة له، وللاعتكاف آثار وفوائد عديدة تعود على المعتكف في إيمانه، وفي روحه، وعقله، وفي شخصيته، وبدنه، وفي مشاعره، وعواطفه، وفي قوته المادية والروحية، وفي شأنه كله، ولا يتم تحصيل هذه الفوائد إلا بالانقطاع في المعتكف عن الناس، والأنس بالله عز جلاله بحيث يصير ذكره سبحانه وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته. قال ابن قيم رحمه الله في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الاعتكاف: «لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفًا على جمعيته على الله، ولَمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام مما يزيده شعثًا ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه، ويوقفه اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة عن سيره إلى الله تعالى وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره، ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت