ومن المظاهر الربانية الرحيمة التي تحيط بفريضة الصوم، والتي يستشعرها المؤمنون الصائمون، ويتفيئون ظلالها في شهر رمضان المبارك: أن الله تعالى أمر بالجنة ففتحت، وبالنار فأغلقت، وبالشياطين فصفدت، وإن لهذا المظهر الكريم من مظاهر الرحمة الربانية المباركة معاني، ودلالات، وأبعادًا قريبة، وبعيدة ظاهرة، وباطنة، يستشعرها المؤمنون الصائمون وهم يتفيئون ظلال هذه الرحمة، وما يُغدق الله تعالى عليهم فيها من النفحات، والمنح، والعطايا، والبركات، وإنه لعطاء كريم من رب كريم في موسم الكرامة والإكرام، ممن كرمت نفسه بالصيام لربه إيمانًا واحتسابًا فهو أهل لأن يكرم من ربه الكريم.
ومن جادت نفسه بالصوم، والبذل ابتغاء مرضاة ربه، فهو حري لأن ينال الجود من الجواد الكريم، فهو سبحانه أجود الأجودين يجود بسخاء على أهل الجود من عباده، وجوده سبحانه يتضاعف في شهر رمضان.
ولقد كان إمام المؤمنين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوادًا كريمًا، وكان أجود ما يكون في رمضان، وأجود بالخير من الريح المرسلة، وكان جوده - صلى الله عليه وسلم - بجميع أنواع الجود من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم، وتعليم جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم، والرفق بهم، والإحسان إليهم، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يزل على هذه الخصال الحميدة منذ نشأته، ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) [1] ، ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتكاملت، وتضاعفت أضعافًا كثيرة.
(1) صحيح البخاري (3) وصحيح مسلم (160) واللفظ للبخاري.