وفي أواخر القرن السابع وأوائل الثامن ظهر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية والذي نبغ نبوغا في علوم الشرع قل نظيره، والمميز في شخصيته والذي أعطاه بعدا لم يتوافر لغيره أنه نشأ في عصر اعتورته أحداث كبار ومتغيرات كثيرة، واضطرابات سياسية وفكرية لم يسبق لها مثيل، وقد تمثل تجديده في جهاده ودفاعه عن بلاد الإسلام ضد الغازين ودفاعه عن الدين عقيدة وشريعة ضد البدع والخرافات والأفكار الدخيلة على الإسلام، والعودة به صافيا نقيا كما كان أول أمره، وقد ألف الكثير من الكتب والرسائل والفتاوى في سبيل ذلك وخلف لنا ثروة كبيرة.
ونلاحظ أنه رغم إغلاق بعضهم باب الاجتهاد إلا أن مسيرة التجديد استمرت وستبقى إلى ما شاء الله، إلا أن القبول العام للأعمال التجديدية قد يكون محدودا في مكان دون آخر وفي زمن دون زمن فابن تيمية مثلا لاقى تجديده قبولا واسعا في عصور متأخرة أكثر بكثير مما لاقى في عصره، والشوكاني كذلك كما انتشر علم الشوكاني في مناطق بعيدة عن بلده كالهند في حين أخفقت أحايين في موطنه.
ولكون التجديد له رنينه الجذاب حاول بعض العصريين ركوب موجة التجديد لكن تجديده كان مغايرا تماما لما صح في السنة ولما نعرفه من الشرع وأهله، فنرى الولع الشديد بما يسمونه تجديدا حتى يخيل إليك أنه يريد تجديد كل شيء حتى جلده.
فمن داع لنسف الدين كله عقيدة وشريعة، إلى مقدس للعقل ومقدم إياه على النصوص وإنكار الغيبيات وتأويلها ومحاصرة عموم النصوص وتقديم المصلحة على النص والطعن في المحدثين والفقهاء واتهامهم بالوضع والكذب! إلخ هذا الكم الهائل مما يسمونه زورا بالتجديد، وما هو في حقيقة الأمر إلا تحييد للدين، وما عملهم هذا إلا انحراف وتضليل للعقل المسلم، لا تجديدا بالمعنى الذي سقناه آنفا.