إننا نلاحظ كيف تزامنت قوة الأمة وانتصاراتها وفتوحها الواسعة مع عصور الاجتهاد وكيف أن هذه القوة والصمود بدأت تضعف رويدا رويدا مع التضييق على الاجتهاد ومحاصرته حتى أضحت الأمة جملة مقلدين يرون في بعض عباداتهم والتي يغلب على كثير منها مخالفة الشرع كل الدين، ولم يعد يوجد من أهل العلم إلا مقلدين كذلك وليت الأمر توقف على هذه الحال بل ما لبث أن انقرض هؤلاء كذلك حتى أنك تمر على عشرات القرى لا تكاد تجد فيها عالما أما السحرة والمشعوذين والقبور والسدنة وأرباب تقبيل الركب فهم بالمئات.
ومع بدايات العصر الحديث تطرف البعض فدعا لفتح باب الاجتهاد لكل أحد حتى ولو جهل كتابة اسمه، بل تعدى الأمر طوره إذ تجرأ بعض أولئك على الوقوع في أعراض أكابر أهل العلم المتقدمين الذين عم نفعهم وعلمهم، بل وتزوير الحقائق البدهية عنهم كقول أحدهم:"إن الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيرا من قضايا الحياة العامة إنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيدا عنهم"وكأن العلماء جاؤوا وعاشوا في كوكب آخر وأنهم يقطنون المساجد لا يخرجون منها، ولا أدري أين كان يريد أن تعقد الدروس، أفي السوق مثلا، ثم ألم يقرأ أو يسمع عن جهود العلماء في الذود عن حياض الأمة دينا ودنيا كالإمام أحمد والعز ابن عبد السلام وابن تيمية وغيرهم، ويزداد الجحود عند هذا القائل عندما ينكر وجود أحكام فقهية يمكن أن تؤسس بناء اقتصاديا للمجتمع الحديث، في حين أن كتب الفقه العامة والمتخصصة مليئة بأحكام المعاملات المالية والتقعيد لها، وزاد كم هذه الكتابات في العصر الحاضر مع الرسائل العلمية والبحوث الأكاديمية والمجمعية والفردية، حتى غدا الاقتصاد الإسلامي منهجا متكاملا تطبقه الكثير من المؤسسات.