6-أن الاجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره والسنة المطهرة قد دونت وتكلم الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد وقد كان الواحد من السلف الصالح يرحل في طلب حديث واحد من قطر إلى قطر فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل من الاجتهاد على المتقدمين، مما يعني أن يرتفع الخط البياني ليدل على كثرة المجتهدين وتوسع علومهم وقدراتهم، لا أن ينعكس الأمر لأن هذا يعني أن تدوين العلم وجمعه وتيسيره نقمة لا نعمة وأن الفقيه الذي يحفظ بضع مئات أو آلاف من السنة وبضعة أقوال مؤهل للاجتهاد دون من جمع السنة والكلام على رجالها وتيسر له معرفة الصحيح منها والسقيم وغير ذلك ممن قرأنا في كتب التراجم عنهم بأنهم موسوعات علمية متنقلة لو وزع ما فيها على عشرات الناس لكانوا مجتهدين قال الشوكاني في الإرشاد"منهم ابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد ثم تلميذه ابن سيد الناس ثم تلميذه زين الدين العراقي ثم تلميذه ابن حجر العسقلاني ثم تلميذه السيوطي فهؤلاء ستة أعلام كل واحد منهم تلميذ من قبله قد بلغوا من المعارف العلمية ما يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق معرفتها وكل واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسنة محيط بعلوم الاجتهاد إحاطة متضاعفة عالم بعلوم خارجه عنها ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم وجاء بعدهم من لا يقصر عن بلوغ مراتبهم والتعداد لبعضهم".
وعلى الرغم من كثرة المجتهدين وتتابعهم كان الصوت الأعلى في النهاية لدعاة التقليد وغلق باب الاجتهاد وذهاب فضل الله الواسع مع ذهاب القرون المفضلة!!! مما جر الأمة إلى غياهب الجهل والتعصب وحصارها فكريا ووقف عجلة التقدم في حين كان الآخرون يسابقون الزمن فما درينا إلا والمستعمر في عقر دارنا.