فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 103

أهل الرأي وأهل الحديث:

شاع بين أوساط المثقفين والكثير من طلبة العلم تقسيم الفقهاء على مدرستين: أهل رأي وأهل حديث، وأن أبا حنيفة يمثل الأولى ومالك يمثل الثانية، وأصبح هذا التقسيم من المسلمات والبدهيات، والصحيح أن هذا التقسيم لا صحة له البتة، فالرأي إذا كان المقصود به القول على الله بغير علم واتباع الهوى وما شابه ذلك فهذا مما لا يجوز أن يتبناه مسلم فضلا عن إمام مجمع على إمامته، وإذا كان المقصود بالرأي هو إعمال العقل في استنباط الأحكام من النصوص وسبر علل التشريع وتعدية الحكم إلى صور أخرى لاتحاد العلة أو الحكمة التشريعية، وملاحظة مقاصد الشرع وحكمه وتقديم الأقوى دليلا على غيره، فيشمل الرأي على هذا كل الأدلة التالية للقرآن والسنة والإجماع كالقياس والاستحسان وغيرهما، إذا كان هذا هو المقصود بالرأي -وهو كذلك- فهذا مما يفاخر به من ينسب إليه، بل لا يمكن أن يكون الفقيه فقيها إلا إذا كان كذلك، وعليه فلا يكون هذا القسم حكرا على أبي حنيفة أو مدرسة العراق بل إن لمالك وغيره من الأئمة القدح المعلى في ذلك مثلهم مثل أبي حنيفة وغيره، ومذهب مالك مشحون بالادلة الواضحة على عمق فقهه ودقة استنباطاته.

كما أن نسبة أبي حنيفة إلى مدسة الرأي يوحي -كما فهم البعض- ببعده عن السنة والركون إلى إعمال العقل ورد النصوص، والحقيقة أن أبا حنيفة كغيره من الأئمة كان معظما للشرع ونصوصه متبعا لما جاء عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بل لقد كان يقدم الحديث الضعيف أحايين كثيرة على الرأي، وإنما كان أبو حنيفة في بلدة قل فيه حديث رسول الله وكثر فيها الكذابون والوضاعون فكان يتحرز في الأخذ بالسنة فإذا ما جاء بها من يثق به أو نحوه قبلها على الرأس والعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت