فتعجب الإمام مالك، وقال له: إذا كنتَ صادقًا فاقرأ ولو حديثًا واحدًا من الأربعين التي قرأتُها في درس الليلة. فجلس الشافعي كما كان يجلس أستاذه الإمام، وقال: عن فلان، عن فلان، عن صاحب هذا المقام؛ وأشار إليه كما أشار الإمام، ثم قرأ الأربعين حديثًا. فأعجب الإمام مالك بذكائه، وقال له: إني أرى الله قد ألقى في قلبك نورًا، فلا تُطفئه بظُلمة المعاصي.
وفي يوم رأى الإمام الشافعي أن ذكاءه لم يعد في الدرجة التي كان عليها من قبل، فذهب إلى أستاذه الإمام وكيع، وشكا له سوء حفظه، وقد أشار إلى هذا بقوله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي ... فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي
وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله: لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلًا. ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تَفِ بتلك الوحشة. وهذا أمر لا يحس به إلا مَن في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام. فلو لم تُترَك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة؛ لكان العاقل حريًّا بتركها.
إذا كنتَ قد أوحشتْكَ الذنوبُ ... * * ... فَدَعْها إذا شئتَ واستأنِسِ
وكلما اشتدت الذنوب اشتدت الوحشة، وأَمَرُّ العيش عيش المستوحشين الذين فرطوا في سعادتهم الأبدية، واستبدلوا بها أدنى ما يكون من لذة.
مِن كلِّ شيءٍ إذا ضَيَّعْتَه عِوَضُ ... * * ... وما مِنَ اللهِ إنْ ضَيَّعْتَهُ عِوَضُ
تعسير الأمور: فلا يتوجه لأمر إلا ويجده مغلقًا دونه أو متعسرًا عليه، وهذا كما أن مَن اتقى الله جعل له من أمره يسرًا؛ فمَن عطل التقوى جعل له من أمره عسرًا.
قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأرى ذلك في خُلُق دابتي وامرأتي.