فى عصور الانحطاط في دراستى للمجتمع العربى قبيل البعثة الشريفة وفى مطلع الدعوة الإسلامية وجدت وضع المرأة أوضح وأرسخ من وضعها أيام انحلال الأمة في عصور الهزيمة والاضمحلال الأخيرة. ولنترك مأساة وأد الأنثى في بعض القبائل أو في مسالك الجاهلين الشاذين، ولننظر الى الوعى العام للمرأة، ونضج شخصيتها، ومشاركتها في شئون الحرب والسلم، وقدرتها على بلوغ الصفوف الأولى في مواجهة الأحداث التاريخية الكبرى، إننا نرى ما يستحق التسجيل! لقد شاركت المرأة في بيعة العقبة الكبرى، وشاركت في بيعة الرضوان تحت الشجرة! ومن المؤكد أنها كانت ستمنع من مثل هذه المبايعات في تاريخ المسلمين الأخير، وسيقال لها: إمكثى في بيتك! وروى أحمد عن أنس بن مالك أن أبا طلحة - قبل أن يسلم - خطب أم سليم وهى مسلمة ، فقالت له المرأة الراشدة: يا أبا طلحة! ألست تعلم أن إلهك الذى تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلى! قالت: أفلا تستحى تعبد شجرة؟ إن أسلمت فإنى لا أريد منك صداقا غير الإسلام! قال لها: دعينى حتى أنظر في أمرى.. فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالت لابنها أنس - راوى الحديث - يا أنس زوج أبا طلحة! فزوجه من أمه! أى مجتمع هذا؟ إننى بقدر ما أعجب من ذكاء المرأة وإخلاصها لدينها أعجب لسلامة الفطرة وانتفاء الريبة وسهولة الحلال وسرعة إقراره. وروت أم عطية أنه حين قدم رسول الله المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن! فرددن السلام، فقال: أنا رسول رسول الله إليكن. فقلنا: مرحبا برسول الله، وبرسول رسول الله! ص _015