فى قاعة محكمة الجنايات كان المستشار يحيى الرفاعى- شيخ القضاة وضمير العدالة في مصر والذى يعمل الآن بالمحاماة- قد جاء للدفاع عنى وعن مجدى حسين.. كنا نحاكم لأننا اعتدينا على وزارة الثقافة في مصر!!.. تماما كما اعتدى أطفال الحجارة في أشمون وفلسطين على جنود الأمن والصهاينة!!..
كانوا قد أتوا بالأسير مجدى حسين رئيس تحرير صحيفة الشعب الأسيرة من محبسه.. كان القيد في يديه.. والتفت إلى الجلاد الذى يصطحبه راجيا إياه أن يوسع من القيد قليلا فقد جرح يده.. ونظر إليه الجلاد نظرة رأيت فيها عينى ذئب غادر.. عينى شارون آخر.. ورفض..ونظرت إلى الجرح.. وتأكدت أنه ينتمى بصلة قرابة وثيقة لذلك الجرح الذى رأيته في غرة محمد الدرة.
بعد تأجيل القضية، اصطحب الجلاد أسيره.. ودونما اتفاق لم نتحدث - أنا والمستشار الكبير- عن جرح مجدى حسين وجرحنا.. كنا نتحدث عن الجرح العربى.. عن الانتفاضة.. عن التخاذل والخيانة.. وعلاقة ذلك بالكتاب الخطير الذى أصدره المستشار الكبير بعنوان"استقلال القضاء.. ومحنة الانتخابات"والصادر عن المكتب المصرى الحديث..
كان الرجل الجليل يحمل هم الأمة في قلبه الكبير.. كانت ملامح وجهه تتقلص بالألم.. ورفع يده ليضعها على صدره..
فى المساء كنت أقرأ في كتابه حيث كتب ينتقد الاعتداء على الدستور وخرق القانون:"بأساليب ممقوتة.. جمّدنا حزبا وصادرنا صحفه، وحبسنا من نشاء".. ثم يستطرد"ولكن في بلاد العالم الثالث لا يسمح السلطان لرعاياه بمجرد الأمل في وجود إنسان غيره.."صباح اليوم التالى كنت أهاتفه كى أطمئن عليه.. لم يكن في منزله.. دهمته أزمة
فى القلب.. نقلوه إلى المستشفى.. وقرروا ضرورة إجراء جراحة عاجلة في القلب..
وكان المستشار يحيى الرفاعى واحدا ممن أخشى لقاءهم.. بل لقد تجنبت الحديث معه منذ مرض عادل حسين..
بعد الوفاة بأيام، هاتفته مترددا وجلا وأنا أخشى أن أكون أول من ينقل الخبر إليه..