كانوا مدركين لذلك.. وكانوا مدركين أيضا أنه مع تكرار أحكام الإدانة القضائية للطواغيت.. تلك الأحكام النهائية بعودة الشعب وبعدم شرعية تجميد الحزب.. تلك الأحكام التى صدرت بقوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ القضاء.. كان ثمة إدراك.. بأن شخصا ما.. فوق القانون .. يستطيع.. لا بما يخوله القانون له من سلطات بل بقدرته على أن يدوس القانون بحذائه هو الذى يصدر الأوامر بعدم تنفيذ أحكام القضاء.. و بأن هذا الشخص (..) ..!!
كان كل من حولك يا عادل حسين يدرك ذلك.. ولشدما كان فخارهم بالمعركة.. وكانو جميعا يضرعون إلى الله أن يعيدك إلينا نخوض بك ومعك المعارك.. كنت كبيرا وعلمتنا كيف نكون كبارا..
كان كل من حولك رجالا.. حتى الأطفال قد أنضجهم النضال..
أما الطواغيت وغلمانهم فقد كانوا أطفالا حتى ولو بلغوا أرذل العمر..
عندما حم قضاء الله بدأت الذاكرة تحت وطأة الألم تخوننى كما تخون الإنسان ساقاه فيهوى..
وفصلت تماما ما بين خبر الموت وكونك أنت يا عادل موضوعه..
ضبطت نفسى متلبسا بخاطر ملح أخذ يجلدنى بسياط من ألم ، خاطر يقول:"هذا حدث جلل.. أمر خطير جدا.. نكبة للأمة.. علىّ إذن أن أهاتف عادل حسين على الفور كى أخبره وأستمد منه العون والعزاء والنصح"..
لا..
لم يكن هذيانا ولا كان ذهول الصدمة التى كنت أتوقعها..
كانت آلية نفسية بالغة التعقيد، لم نكمل المعركة بعد، وكنت عاجزا عن تصور الساحة الفكرية والسياسية دون عادل حسين.. آلية نفسية تشبه تلك الظاهرة العضوية المعروفة في الطب بظاهرة"الشبح"حين يعانى المريض آلاما مبرحة في طرفه الذى تم للتو بتره!!.. فلأنه يرفض تصديق بتر ذراعه تعاونه كل تلافيف النفس البشرية التى لا يعلم خافيتها إلا الله، تعاونه تلك التلافيف بالألم العضوى المتوهم في العضو المبتور، لأن هذا الألم العضوى المتوهم أخف وطأة من الألم المعنوى للفقد.