كما أن القاسم المشترك الذي يجمع هؤلاء، هوتغلّب الإرادة والعزم ،على أي عامل آخر في حياتهم بحيث يُحسُّ القارئ لأعمالهم والدارس لحياتهم ،بأنهم صنعوا عبقرياتهم بأنفسهم، كما يشعر أنّهم لا يكادون يملكون موهبةً من نوع تميزهم عن غيرهم من البشر العاديين، وأن موهبتهم كانت ثمرة إرادتهم واستمرارهم في العمل، وهنا تتجلى عظمتهم الإنسانية .. ففي حياة كل واحد منهم، نجد نافذة ندخل منها إلى نواحي العظمة عنده .. كمانجد في جواب كل واحد فيهم عن سؤال حول حياته، أو قد نجد الجواب في حياته نفسها،أو في بعض أعماله .. نجد أن العظمة كامنة في إرادة الإنسان عندما يعقد العزم على أن يكون عظيم الأثر، ولعل الشاعر العربي قصد إلى هذا المعنى حين قال:
والنفس راغبةُ إذا رغبتها ... وإذا تُردُّ إلى قليل تقنعُ
وكان المتنبي غيرَ بعيد عن هذا حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
إن الغاية من وضع هذا الكتاب،هي إنعاش شعور أن نعيش الحياة في عملٍ وتعلم، واستقطارٍ كامل للوقت الذي نتقن إهداره ..
هذا في الوقت الذي لا تزعم فيه صفحات الكتاب أنها تقدم"وصْفة لِ (( كيف يُصبح الإنسان عظيمًا ؟ ) )وإنما أحد الأهداف المنشودة أن تشير إلى درب العظمة عند هؤلاء الذين ورد ذكرهم، لأن من علامات النضج في الإنسان أن يفيد من تجارب غيره ليختصر الكثيرمن الوقت الذي يمكن أن يهدره وهو يجرب هذا ويُقلع عن ذاك .. وأن الإنسان لا يحتاج أن يكون موهوبًا، خارق الذكاء كي يكون عظيمًا ،وإنّمايكفيه أن يكون ذا قلبٍ يقظٍ، وضميرٍ حي، وإرادة مصمّمة ،يشعر أن الحياة لا تكون حياته حقًا، إلاّ إذا أُنفقت في عمل مُتصل من أجل الحرية والحق والعدل، وهنا يضيء قول"فيخته":".... أما أن تكون حرًا فهذا لا شيء وأما أن تصبْح عظيمًا فهذا كل شيء"لأن الإنسان الحقيقي هومخلوق العمل والإرادة ."
كما يطمح الكتاب ،أن يكون في حياة كل واحد من هؤلاء ضوء للشباب الذي لا يرضى من حياته أن يكون ضيفًا أو مستأجرًا في هذه الدنيا .
ولا يُريد الكتاب أن يقول: إن الإرادة والعمل، يحققان المستحيل بل يريد القول انهما يحققان الممكن ولا حدود مرئية لهذا الممكن الذي يمكن أن يصل إليه الإنسان .
إن أحد طموحات هذا الكتاب أن يحفز القارئ إلى آثار الذين ورد ذكرهم، وآثار غيرهم ،لأن أي كتاب مهما كان لا يستطيع - وإن حاول - قول كل شيء عن واحدٍ من هؤلاء .