لقد انطلق أبوذر في كل مواقفه تلك من إيمانه بأن الإنسان الحق يعتبر العمل هو مصدر الكسب المشروع لذلك اختار الله كلَّ أنبيائه من العاملين فالنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، راعي غنم ، والنبي داوود يصنع الدروع وآدم كان حراثًا، ونوح نجارًا ، وموسى راعيًا ..، ورأى أبو ذر الخلفاء الراشدين يعملون بالتجارة حتى ينفقوا على أنفسهم وبيوتهم إذ كان أبو بكر يعمل بالتجارة حتى خصص له المسلمون راتبًا من بيت المال كي يتفرغ لأمورهم ..
وكان عمر بن الخطاب لا يتردد عن حمل الماء والتمر والملح لأهله، وقد وضع"أبو ذر"العمل الإنساني في مكانه اللائق حين وصفه بأنه الذي يحقق إنسانية الإنسان وأنه مصدر الرزق الحلال، وذلك في صرخته ضد المستغلين حين قال:"مالهؤلاء يستأثرون بأموال لم يستحقوها بعملهم وقد جاء في كتابه العزيز:".. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.."."
هل يمكن القول بعد هذه الملامح عن أبي ذر:"انه كان من الرّواد الأوائل في التاريخ العربي في الاقتراب من معنى الحكم الديمقراطي كما نعرفه اليوم حين تحدث عن علاقة الحاكم بالشعب وجعله خادمًا لا مخدومًا؟؟."
هل نقول: إنه بمواقفه التي أتينا على بعضها كان أحد الذين وضعوا بذور الفكرة الاشتراكية، وكان على الذين جاؤوا بعده تنميةُ هذه البذور ؟؟ .. هل نقول: إنه بمواقفه الشجاعة كان أحدّ الأفذاذ الذين حاربوا الاستبداد وإيثار ذوي القربى علىحساب مصالح الآخرين ؟! ..
أم نقول: هو كلُّ هؤلاء ؟!
سلك معاوية مع أبي ذر سبيل التهديد وقال له:"... ياأبا ذر خيرٌ لك أن تنتهي عمّا أنت فيه ..."..؟
ولكن الرجل لم يعبأ بهذا التهديد ،وقال لمعاوية:",,, والله لا أنتهي حتى توزع الأموال على الناس كافة...".
وعند ذلك لجأ معاوية إلى حيلة أخرى أراد بها أن يفسد مابين أبي ذر وبين أنصاره وحزبه من الفقراء وذلك في محاولة إيهامهم أن الرجل ممن يتلقّون الهدايا والصلات، وبعث في جنح الظلام أحد رسله يحمل ألف دينار لأبي ذر وفي الصباح بعث إليه ثانية الرسول نفسه يخبره أن العطاء لم يكن له وأنه قد أخطأ الطريق إليه ويقول له:"يا أبا ذر انقذ جسدي من عذاب معاوية فإنه أرسلني إلى غيرك وإني أخطأت بك"... لكن أبا ذر كان قد أنفق الدنانير الألف على الفقراء قبل أن يطلع عليها عنده الصباح ..