أيقن معاوية أن الرجل عصيّ على أن تنال منه هذه الأساليب وذلك ،لأن"فعله يصدق قوله"في قضايا الأموال والثروات، وعندئذٍ قرر قراره بضرورة إخراجه من الشام فكتب إلى أمير المؤمنين يصور له حال أبي ذر مع الفقراء .
قال عثمان لأبي ذر:"... يا أبا ذر عليَّ أن أقضي ما علّي وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد، وما عليّ أن أجبرهم على الزهد ..."
ولم يرضَ أبو ذر"بهذا القول إذ الأمر لم يكن في نظره أمر ( زهد ) لا يستطيع أن يُجبر الناس عليه وإنما كان أمر أغنياء يزدادون غنىً وفقراء يتسبب هؤلاء الأغنياء في فقرهم ... وأمر حقوق لهؤلاء الفقراء في أموال الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا إلى الجيران والإخوان ويصلوا القرابات .."
أبو ذر الغفاري لم يكن زاهدًا زهد الإنسان الذي لا يرى لنفسه علاقة بالدّنيا ومباهجها، وإنما كان زاهدًا زهد المناضل ضد احتواء هذه المباهج لقدراته ومزاياه الثورية تلك التي اكتسبها قبل بعثة الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) وبعدها ..
كان زهده يدعوه للعيش في ( الربذه ) بالصحراء وكانت ثوريته تقتضي أن يبقى على اتصال بالثورة الاجتماعية التي أوجدها الإسلام في عقول الناس وحياتهم، وذلك من خلال تردّده على المدينة حتى يظل على صلة بحضارتها ويعبر"ابن الأثير"في كتابه ( الكامل في التاريخ ) عن هذا الموقف بقوله"كان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابيًا"ولأبي ذر مواقف رائده في فهم النصوص ..
يقول مكسيم رودنسون في حديث له بعنوان"الماركسية ودراسة العالم الإسلامي" (1) :".... ولقد عثرت مؤخرًا على حديث ربما لا يعرفه كثير من المسلمين فبهرني عندما قرأته لأني أرى فيه شيئًا مفيدًا للغاية سأحاول قراءته عليكم، بلغتي التي تدعو للرثاء."
"العصبية أن يعين رجلٌ قومه في ظلم"
هذه الكلمة جميلة جدًا، ولكن أجمل كلمات الإسلام في نظري هي كلمة لأبي ذر الغفاري .. كانت المسألة تتعلق بنصٍّ قرآني فيه نقدٌ للقساوسة المسيحيين والربانّيين اليهود على أساس أنهم يستغلون وضعهم الأكليركي، ولقد قال أبو ذر: إن هذا النقد ليس لهم وحدهم بل ولنا أيضًا ...
ولقد نُفي لهذا السبب وعانى من مضايقات كثيرة في عصر معاوية، وجاء علي بن أبي طالب، يُحيّيه عندما نُفي من المدينة، وكانت هذه من مظاهر المعارضة التي ظهرت من قبل في وقت عثمان ..""
مراجع