مات"ابوذر"وهولا يملك ثوبًا تكفنه به زوجه .. فقميصه الوحيد مزقه وكفن به ولده .. ومن الذين حضروا وفاته جماعة منهم الصحابي الجليل ( عبد الله بن مسعود ) الذي رثاه قائلًا:"صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تمشي وحدك وتموت وحدك، وتُبعث وحدك ) .."وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذه الكلمات في"أبي ذر"أثناء اشتراكه في غزوة تبوك ضد الروم قبل عشرين من وفاته وحيدًا في صحراء ( الرّبذة ) ..
صار ( معاوية ) والي الخليفة على الشام - يتصرف وكأنه يملك الأرض والمال والناس فأنزل بالمسحوقين كلَّ صنوف القهر خاصة أولئك الذين رفضوا الرشوة وثاروا ضده .. وجاء نعي أبي ذر إلى الشام واستمع الفقراء إلى صوت الثائر المنفي فتحلقوا حوله، وتحولت مجالس المنفي إلى مظاهرات تضم المحرومين وبدأت المواجهة مع معاوية، تلك التي أذكاها وجود القفراء الجائعين إلى جانب الأغنياء المتخمين .. تجمع الفقراء حوله وهم يتذكرون ويُعيدون صرخته المجيدة ..:"عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لايخرج على الناس شاهرًا سيفه ..."وقد كان يوضح للذين يتلقون دروسه، أن العدالة تقضي أن الحاكم يجوع أول القوم إذا جاعوا، وهو آخر من يشبع إذا شبعوا .. وانطلق يسأل معاوية ومن حوله من الذين اغتنوا باستغلال الآخرين:"أين بيتك المتواضع في مكة يا معاوية، لمن هذه القصور اليوم بالشام ؟!".. حاول معاوية شراءه ولكن الثائر الحقيقي لا يُشترى .. واستمر يؤثر في أتباعه ..
حين أطلق معاوية قوله المشهور:"إنّماالمال مالُنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا حرمناه"...انطلق صوت أحد تلاميذ أبي ذر .."بل المال مالُنا والفيء فيئنا فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا"..
هنا أدرك معاوية خطر وجود أبي ذر بالشام، كتب للخليفة:"أنقذني من أبي ذر لأنه أفسد الناس علينا بالشام"..وجاء فيما قاله معاوية لعثمان .."....إني أكره أن يكون مثله في الشام أو في مصر أو في العراق لأنهم قوم سراع إلى الفتن وليسوا بأهل طاعة .."، وكان من نتيجة ذلك أن أرسل معاوية الثائر إلى المدينة مخفورًا على راحلة عارية مع مرتزقة المستأجرين لتعذيبه ويترك أبو ذر الشام مودعًا من مناصريه الفقراء بشكل عزَّ نظيرُه ..
مواقف في حياة أبي ذر:
عرض عثمان بن عفان على أبي ذر إمارة العراق، فقال الأخير:"لا والله لن تميلواعلّي بدنياكم أبدًا .."..