لا نستطيع إلاّ أن نتذكر المعلم الأول ( أرسطو ) حين قارن بين الصديق وبين الحق وقال كلمته الشهيرة"أحب أفلاطون وأحب الحق ولكني أحب الحق أكثر"... لا نستطيع إلاّ أن نتذكر ذلك حين نرى أبا ذر يقارن بين الأصدقاء وبين الحق مفضلًا - الحق الذي قاده منفيًا إلى الصحراء قائلًا كلمته الشهيرة أيضًا:"... ما ترك الحق لي صديقًا".. وفي زمن كالذي عاش فيه أبو ذر أو زمن خلافة"عثمان بن عفان"خاصة أصبح القابض علىعقيدته بصدق كالقابض على الجمر، حين حولت السياسة في زمن الخليفة الراشدي - عثمان بن عفان - الناس إلى ( شوك لا ورق فيه ) بعد أن كانوا في عهدي أبي بكر وعمر بن الخطاب"ورقًا لا شوك فيه".. إن الذي دفعه إلى هذا التمرد ضد السياسة في زمن عثمان هو ابتعادها عن طريق سلفيه الكبيرين إضافة إلى صدقٍ مع النفس بغير حدود، وإيمان بهدف عظيم هو أن يسود العدل بين الناس .
لم يكن"عثمان بن عفان"محل الثقة التامة عند الخليفة الراشدي العظيم عمر بن الخطاب .. إذ لوكان كذلك لاستخلفه بعده ولكنه لم يفعل وإنما ترك أمر الذي يأتي بعده دائرًا بين ستة من الصحابة، وكان عثمان بين الستة في مواجهة ( علي ) . (ر)
لم يتذمر ( أبو ذر ) في عهد أبي بكر الذي دام حوالي عامين من ( 11-13 هـ ) .. ولا في عهد ( عمر بن الخطاب ) الطويل نسبيًا حيث دام حوالي عشر سنوات من عام ( 13-23 هـ ) ...
ولكنه في عهد عثمان بحث عن العدل والديمقراطية فلم يجدها وراح يتحسس السيف، ولكن حسه الرومانسي قاده إلى إدراك أنَّ دوره أن يعترض، لا أن يُقاتل فليس السيف وحده أداة التغيير والتقويم بل الكلمة الصادقة أيضًا .
وحين ابتعد عثمان بالسلطة عن نهج سلفيه الكبيرين وآثر ذوي القربى .. ارتفع صوت"أبي ذر"ضد هذا فاستدعاه عثمان ليقول له:"ما هذا الذي بلغني عنك يا أبا ذر أنك تحرض الناس عليَّ، ولا تقرأ في المسجد إلاَّ آياتٍ بعينها ؟ .."فقال"أبو ذر":"وهل في هذا تحريض ؟ أم تريد منعي من قراءة كتاب الله . لقد عملت بماتعلمت ..."وصاح عثمان:"اخرج إلىالشام"وكان هذا أول نفي سياسي في الإسلام .. ذهب الشيخ الذي تجاوزالسبعين عامًا إلىدمشق ليجد ( معاوية بن أبي سفيان ) والي عثمان على الشام يتصرف باستبداد مطلق ....