عليه, فكانوا في الجو ثم ينزلون, فالآن نزلوا يمشون, وكانوا في الجو, ولذلك أتوا عليه, من فوق إلى أسفل, ولما نزلوا إلى الأرض قالت نملة, واحدة معينة, {قَالَتْ نَمْلَةٌ} بصوت مفهوم, تكلمت ونصحت وأسمعت, وهذا معناه أن تلك القدرات عند النمل وأخبرت من حولها وحذرت, وقيل: إنهم حديثًا سمعوا صوت النمل, ولكن لا يعرفون المعاني ولا الحروف, لكن مكبرات حتى سمعوا الأصوات, وكان ما آتاه الله لسليمان خرقًا للعادة؛ لأنه يعرف لغة النمل بالإضافة إلى لغة الطير, {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (النمل: من الآية16) , وهذه النملة كان لها في كلامها منطق عظيم, فإنها نادت ونبهت وسمّت وأمرت ونصّت وحذرت وخصّت وعمّت وأشارت وأعذرت, وهذه النملة التي قالت للنمل: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ} , فبدأت بالنداء؛ ليسمعن قولها, وهذا من آداب النصيحة, {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} : التي في باطن الأرض تحميكم من الأخطار, والمساكن حماية للبشر, والله سبحانه وتعالى جعل لنا مساكن تؤينا, وكذلك هي للحيوان, {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} : قرية النمل, فهي عدة مساكن تكون القرية, {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} , كما تحطم الخيل بحوافرها, وقضية أن هذه الأجسام فيها عنصر السيلكون, وأنها أقرب إلى الزجاج في التحطيم, ونحوه الله أعلم بذلك, لكن {لا يَحْطِمَنَّكُمْ} : يعني لا يهلكنكم, لا يقتلنكم, والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل أربع دواب: النملة والنحل والهدهد والصُّرد, وهذا الحديث فيه عدم تكبّر الإنسان على خلق الله الضعيف, أو على خلق الله الصغير, فإذا كان النمل مؤذيًا يقرص أو يتلف الطعام جاز قتله من باب دفع الصائل, وإلا فلا يجوز أن يقتل كالنمل الكبار التي توجد في الصحاري, فلا يجوز قتلها, وقتله كِبر, والذي أحرق قرية نمل قال الله له: هلا نملة واحدة, تلك التي قرصتك, أحرقت أمة بأسرها تسبح, والنحل لما تؤتيه من الشيء المفيد, والهدهد لأنه دل سليمان على الماء, فكان داعية إلى الله نقل الخطاب, وجاء بالجواب, وجاء بالإفادة, وعرف التوحيد, فجعل الله ذريته محفوظة لا تقتل, والصُّرد: نوع من الطيور في لحمه نوع من الوخم والزهومة والضرر؛ ولذلك لا يفيد أكل الهدهد ولا الصُّرد, لحم الهدهد والصُّرد غير نافع للأكل فنهينا عن قتلهما, والنهي عن قتل الشيء دليل على تحريم لحمه, {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} (النمل: من الآية19) . سرورًا وإعجابًا؛ لأنها التمست العذر لسليمان ومن معه, لنبي الله لما قالت: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} , {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} , في حسن منطقها, وكذلك دعا ربه فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: من الآية19) , هذا من أعظم الأدعية التي ينبغي للمسلم والمسلمة حفظها, {أَوْزِعْنِي} , الوزوع: الولوع بالشيء والتعلق به, اجعلني متعلقًا, {أن أشكر نعمتك} : أهلمني وعلقني بشكر النعمة, قائمًا بذلك, {الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} , فقيل: إن أم سليمان كانت لها ميزات, وليس أبوه فقط, وفي الآية تنبيه على بر الوالدين, وسؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر, رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ