الجن ثم الإنس قيل: لأن حشر الجن أصعب, فبدأ بهم؛ لأنهم إذا جمعوا كان جمع الإنس أسهل, لكن في الواقع كان الذين يلونه هم الإنس أقرب إلى سليمان, لكن في الحشر والجمع الجن يحشرون أولًا؛ لأن حشرهم أصعب, فإذا قدر عليهم كان الإقدار على من دونهم أولى, وقدم من يعقل الجن والإنس على ما لا يعقل الطير, وادي محشورة تسير أيضًا, ولا تخلو من انتشار ولكنها تحتاج إلى ضبط وترتيب, ولذلك فإن المنظر البديع الذي كان يسير سليمان عليه السلام فيه مع عسكره عجب من العجاب, فإن هؤلاء الجن والإنس والطير فوقهم يحشرون له فيسير بهم في هذه الأبهة العظيمة, ولذلك قال بعض المفسرين: إنه كان هناك مقاعد تحملها هذه الريح فسمي بساط الريح, وقوله: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (النمل: من الآية16) لا ينقصه شيء, والترتيب والدقة في عسكر سليمان مشهود, ولذلك يوجد وزعة يكفون الجيش, {فَهُمْ يُوزَعُونَ} , وزع: يعني كف ومنع, والوازع: الحابس والنقيب, وعلى كل مجموعة وازع يرد أولاها على أخراها؛ لئلا يتقدموا في المسير, ويسير الجميع بسرعة واحدة, ولا يخرجوا عن صفوفهم, فهم منظمون في صفوف, وهكذا يلحق آخرهم أولهم, ويكونون مجتمعين دائمًا, لا يتخلف منهم أحد رغم اختلاف الأصناف, فهؤلاء جن, وهؤلاء إنس, وهؤلاء طير, وهم مع ذلك في غاية التنظيم والترتيب والتناسق, ومعلوم في العلوم العسكرية ما يكون اليوم عند حركة الجيش من أهمية ترتيب وتنسيق وتنظيم المشاة والمدرعات والطيران ونحو ذلك من الأسلحة البحرية والجوية والبرية, بالجنود الذين هم في الجيش, تنظيم السرعات, {فَهُمْ يُوزَعُونَ} , وقد جاء في بعض التفاسير أن عسكر سليمان عليه السلام كان مائة فرسخ, خمسة وعشرون للإنس, وخمسة عشرون للجن, وخمسة وعشرون للوحش, وخمسة وعشرون للطير, لكن هذا جاء من رواية محمد بن كعب القرظي, فالأشبه أنه من الإسرائيليات, فالله أعلم بها, لا نصدق ولا نكذب, الترتيب والتنسيق يعطي هيبة, وقد قال الله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (الصف:4) , شكل الجيش في غاية الأهمية, وهكذا هم عند مسيرهم, فالحشر خطوة والمسير خطوة, والوزعة ينظمون ذلك والأمور تسير كما يشتهي سليمان عليه السلام.
قصة سليمان مع النملة
هذا النظام العجيب لما أتوا به على واد النمل, {قَالَتْ نَمْلَةٌ} (النمل: من الآية18) , ولا يضرنا أين يوجد وادي النمل, قيل: بالطائف, وقيل غير ذلك, لكن لا يضرنا الجهل بالمكان, ولو كان فيه فائدة لذكره لنا ربنا, شاهدتهم نملة فخشيت على قومها الهلاك, لما رأت الجيش العرمرم, فقال: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} (النمل: من الآية18) , {أَتَوْا عَلَى} (النمل: من الآية18) , فلماذا لم يقل: أتوا واد النمل, ولا يلزم أن يعدى بعلى, يقال: أتى بيت فلان ولا يشترط أن يقول: أتى على بيت فلان؛ لأنهم كانوا في جهة العلو, أتوا