سليمان: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} (سبأ: من الآية12) : وهو النحاس المذاب, فالنحاس هذه مادة مهمة جدًا في صناعة ما يحتاج إليه من آلات في الجهاد, وفي غيره من الأمور الحياتية والمعيشية, الصناعات اللازمة للبشر, المادة الخام مهمة جدًا, والمادة الخام لا بد أن تكون سهلة الاستخراج وافرة الكمية, حتى تكون ذات جدوى كما هو معروف في دراسة المشاريع اليوم, وفي علم التعدين, لا بد أن تكون سهلة الاستخراج وافرة الكمية, فتأمل في قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} , النحاس هذا عين لا تنضب, يأخذ منه بكميات ما يشاء من النحاس, سهل الاستخراج, عين, إنها عين, بالكمية التي يريدها, {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} , وهكذا من أنواع المذابات والمصهورات التي يأخذها فيشكلها كيف يشاء, بل حتى عملية الصهر قد توفرت؛ لأن المعادن حتى تصنّع لا بد أن تصهر ثم توضع في القوالب, وعين القطر هذه سائلة, فالنحاس مذاب, فهنا يسهل تشكيله, ومن تأمل فيما أعطى الله سليمان عليه السلام وجد العجب العجاب وما معنى قوله: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} (صّ: من الآية35) , لن يحصل لغيره, فهو لا يحصل اليوم في عالم التقنية, ولا في وادي السيلكون, لا يحصل أبدًا, ولا يكون مثله إطلاقًا, {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (صّ:39) , فقر به عينًا يا سليمان, وأمنن على من شئت, أو أمسك عمن شئت, بغير حساب وحرج عليك؛ لأن الله قد علمه وألهمه العدل وحسن الأحكام, ولم يكن هذا لسليمان في الدنيا فقط ولكن قال الله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} (صّ: من الآية25) , فهو من المقربين المكرّمين بأنواع الكرامات, وهذا يؤخذ منه أن الإنسان إذا أعطاه الله موهبة أو قدرة عضلية, مالية, تصميمية, كتابية, برمجية, تعبيرية, شعرية, إعلامية, أيًا ما شئت فإنه يجب استثمارها في الدعوة إلى الله وطاعة الله, كما استعمل سليمان ذلك في خدمة الدين ونشره.
جيش سليمان عليه السلام
ومن مظاهر تأييده سبحانه لسليمان أن أمده بجيش عظيم, فقال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (النمل:17) , موكب عظيم بثلاث فرق, فرقة الإنس, وفرقة الجن, وفرقة الطير, فجمع الله له هذا في أبهة عظيمة كان يركب فيها, الإنس يلونه, ثم الجن بعدهم في المنزلة, والطير تظلل عليهم بأجنحتها إذا كان الحر, {وَحُشِرَ} معناها: أنهم جمع عظيم, فلا يقال: (حشر) على اثنين وثلاثة, وهؤلاء الجنود الذين كان يركب فيهم في هذه الأبهة من الذي يستطيع أن يقوم لهم وهم بهذه الإمكانات الضخمة, وإذا كان عند بعض الناس اليوم تجنيد إجباري فإن عند سليمان عليه السلام ذلك بقوله تعالى: {وَحُشِرَ} , ولا بد أن يجتمعوا له, وإذا كان هنالك استدعاء احتياطي إجباري فعند سليمان عليه السلام {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ} , فجمعوا بالقوة والسطوة ومن يتخلف يساق بالوزعة, ومنهم الوزعة؟ قال الله عز وجل: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} , إذًا الإنس ثم الجن, والآية الترتيب فيها