الصفحة 4 من 14

والمغرب إلا الثقلين، وها نحن نمر بالمقابر اليوم لا نسمع شيئًا لكن هناك كلام يحدث وصراخ وعويل، وهناك ما تفهمه البهائم إلا الثقلين، لا يدركان صوت المعذب في قبره، فقد أعطى الله تعالى سليمان -عليه السلام- ما لم يعطه أحدًا من بعده استجابة لدعائه لما قال: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (صّ:35) . فطلب المغفرة قبل أن يطلب الملك وهذه مسألة مهمة جدًا، نجد أن اليوم بعض الناس يطلبون الدنيا قبل الآخرة، مع أن الآخرة أهم، قال سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} ، فسأل الآخرة قبل الدنيا، وسأل المغفرة قبل الملك لأنها أهم، وزوال الذنوب، زوال أثر الذنوب يحصل به المقصود، على قاعدة التخليه قبل التحلية أيضًا، فالله يمنح بعد أن يمتحن، فتأتي المحنة بعد المنحة، ويأتي التمكين بعد الابتلاء، {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (35) سورة ص، فهذه الصيغة المناسبة لكثرة هبات الله تعالى، وهّاب كثير الوهب، لماذا طلب سليمان -عليه السلام- ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، لماذا؟ وهل كان يريد التعالي في الأرض أو أن يسجل له التاريخ منقبة لم تحدث ولن تحدث، هل كان يريد ذكرًا في الدنيا أو استعلاءً على الخلق؟ الجواب كلا، وإنما أراد بهذا الملك، أن يمكنه الله بنشر الدين تمكينًا لا يحصل مثله، وأن يدعو إليه بهذا الملك، وأن يستعمل الملك في نصرة الدين، وإسعاد الناس، وأن يكون الملك مظهرًا من مظاهر الإنعام الرباني، وأن يتخذه وسيلة لذكره وشكره وحسن عبادته، وكان إيتاء الملك بعد الامتحان. {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} (صّ:34) ، حصل امتحان عظيم لسليمان فقال {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} ، ما حصل هذا السؤال إلا بعد تلك المحنة العظيمة، فإذًا لما صارت المحنة التي بها نقص لا شك أن ملك سليمان نقص بالمحنة {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا} ، فالمحنة هذه جعلت سليمان يطلب ملكًا عظيمًا لا يزول بمثل هذه المحن، والابتلاءات، وأن يكون ممكّنًا فيه، والنبي إذا رأى أول الخير طمع في بقيته، ولذلك فإن أيوب -عليه السلام- لما خر عليه رجل جراد من ذهب، يعني شيء عظيم من الذهب، سأل المزيد.

تسخير الريح له

وكل ملك من ملوك الدنيا له مراكب تحمله وتحمل جنوده، وأتباعه، وحاشيته، ومن معه، فسخر الله تعالى لسليمان -عليه السلام- الريح بأمره تحمله حيث شاء كيف شاء، تقطع ما تقطعه الريح المعهودة في شهر، ولا تحتاج إلى صيانة ولا وقود ولا طعام كالدواب، وهكذا حصل لسليمان ما لم يحصل لأحد حتى من الموجودين في عالم التقنية، فإن المراكب اليوم تحتاج إلى وقود وتحتاج إلى صيانة ومحدودة الطاقة والاستيعاب لكن الله -عز وجل- أعطى سليمان مركبًا عظيمًا لا يحتاج إلى صيانة ولا وقود وليس له طاقة استيعابية محدودة بشيء من مثل المراكب اليوم، كم تحمل الدابة وكم تحمل السيارة وكم تحمل الطائرة، لكن الريح تحمل ما شاء الله أن تحمل، فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت