الصفحة 3 من 14

ملك سليمان عليه السلام

وقد شكر سليمان -عليه السلام- ربه معترفًا بإحسانه متحدثًا بنعمته، {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} (النمل: من الآية16) . فهذه هبة عظيمة وتمكين تام، فسخر الله له الإنس والجن والطير ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ سليمان -عليه السلام-، كان عالمًا بلغات الطير والحيوانات، والجن أيضًا والشياطين يخاطبهم فيفهمون لغته وأوامره، و-سبحانه وتعالى- الذي يعلّم من يشاء ما يشاء، علّم سليمان مخاطبة الطير في الهواء، ومخاطبة الحيوانات على اختلاف أنواعهم، فقال سليمان علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء، يعني مما يحتاجه في تثبيت دعائمه، {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (16) سورة النمل، حرف التوكيد إن واللام الذي هو في الأصل لام قسم وبضمير الفصل مقصود به تعظيم النعمة أداءً للشكر عليها بالمستطاع من العبارة، علمنا وأوتينا يقصد نفسه وأباه أو يريد إظهار عظمة الملك والنبوة والسلطان، وعبر عن أصوات الطير بلفظ منطق تشبيهًا له بنطق الإنسان من حيث إنه ذو دلالة، فإذًا كلام الطير هل هو مجرد أصوات لا معنى لها، أم أن لها معاني، هل هو كلام فاستدلوا بقوله تعالى منطق الطير على أن لها معاني، وأن لها حروفًا، وإن كان لا تشبه حروف البشر، الطير لها حروف لا تشبه حروف البشر، وكلام الطير له معاني لا يفقهه البشر، وقال سليمان -عليه السلام- هذا معترفًا بنعمة الله -عز وجل-، ومنته وليعرف الناس ماذا حصل من هذه النعمة، وعبر بأداة الاستغراق"من"في قوله"من"، وأوتينا من كل شيء تعظيمًا للنعمة، وهذه الأية تدل على أن للمخلوقات الحية لغات خاصة {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (44) سورة الإسراء، فإذًا لهم تسبيح وليس مجرد نقيق، أو ثغاء، أو خوار، ليس مجرد زقزقة، وإنما لها معاني، وأنها تسبح وتنطق، وإن كنا لا ندرك ذلك، وإذا كان الله قد حجب عنا فهم لغة الحيوانات والطير فإنه قد علّم ذلك سليمان -عليه السلام-، وهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا يبين أن علم البشر مهما بلغ فإنه يبقى محدودًا مقصورًا ضعيفًا، فلو قيل للعلماء الآن ما هي حروف لغة الطيور وما هي المعاني وما هي الكلمات؟ لم يستطيعوا أن يأتوا بذلك، لكن الله -عز وجل- علّمها لسليمان، عُلّمنا منطق الطير ومنطق الطير لا يعرفه الناس الآن، بعض علماء الأحياء، ربما أدركوا أن مثل هذه النبرة أو النغمة أو مثل هذا المستوى من الصوت مثلًا يقوله الطير مثلًا عن استدعائها لأولادها أو عند تزاوجها أو عند طيرانها أو عند إرادتها فعل كذا، لكن ما هي الحروف وما هي الكلمات، وما هي المعاني؟ لا يدركون ذلك.

كل ذلك علّمه الله تعالى لسليمان -عليه السلام-، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. والله -عز وجل- قادر على إسماع غير المسموع لمن يشاء، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- إن عذاب القبر يسمعه ما بين المشرق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت