وقول سليمان أحببت الخيل حبًا كثيرًا لما فيها من الخير، ولكن حب الصلاة كان ينبغي أن يكون أعظم، حتى توارت بالحجاب، واختفت هذه الشمس فالخيل كانت تسبح في الميدان، فقال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} وأعيدوها، فمرر عليها يديه يمسحها تكريمًا لها، والتماسًا للخير فيها، ومحبة وتأليفًا، ومن العلاقة بين الخيال والخيل حركة لطيفة تأنس بها الخيل إذا مسح صاحبها ناصيتها وساقها، فتزداد له وفاءً وبه تعلقًا كما يقول أهل التجربة.
ولقد فتنا سليمان، كان هنالك فتنة عظيمة قبل أن يؤتى هذا الملك، وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب، ما هي هذه الفتنة، وما هو هذا الجسد الذي ألقي على كرسيه؟
هنالك أقوال مفسرين دخلت فيها إسرائيليات كثيرة فقيل: شيطان جلس على كرسيه، واحتله، وقيل: إن الجسد هو جسد سليمان نفسه ألقي على الكرسي لا يدبر بمعنى أنه سلبت منه القوة، فألقي عليه جسدًا لا حراك به، وقيل: إن الجسد هو شق الولد الذي اختبر الله به سليمان، فابتلاه به لما نسي الاستثناء وذكر المشيئة، وهو الذي جاء في الحديث الصحيح في البخاري قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ , فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ , فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ [وفي رواية: إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ] فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) )) البخاري (3424) و (5242) . فقيل: إن هذه هي الفتنة، وقيل: إن هذا هو الجسد، وما ألقته المرأة من المولود الميت، والجثة الهامدة، أو هذا الشيء المشوه، وقيل: هو، وقيل: شيطان ألقي على كرسيه لكن حصل بسبب ذلك ولا شك نقص لسليمان عليه السلام، حصل له نقص، ولذلك قال {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (صّ:35) فالإنسان قد يسلب بعض النعم لكن يعود أقوى مما كان، فلا تيأسن، ويجب الرجوع إلى الله في كل الأمور، والاعتناء بإصلاح الخلل، والتنبه عند الغفلة، {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (صّ: من الآية32) . وهكذا المحافظة على أوقات الصلوات، لقد قام سليمان عليه السلام بإنجازات عظيمة كإخضاع ممالك أهل الأرض للدين، كما حصل في مملكة بلقيس، ولعله يأتي ذكرها إن شاء الله.
ومن الأعمال العظيمة تجديد بناء المسجد الأقصى، فاستفاد سليمان عليه السلام من تسخير الجن والشياطين، فعمل على تجديده، والدليل على ذلك الحديث النبوي عن النبي عليه الصلاة والسلام (( أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلَالًا ثَلَاثَةً سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأُوتِيَهُ وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَاتِيَهُ أَحَدٌ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) )النسائي (693) وابن ماجه وصححه الألباني.