وهذا رد على اليهود الذين يزعمون أن سليمان بنى الهيكل، فيقال لهم: لم يبني هيكلًا، وإنما بنى المسجد، جدد بنيان المسجد الأقصى، وهكذا كان نبيًا رسولًا، ملكًا خليفة حكم بحكم التوحيد لم يتخذ هيكلًا مقدسًا، ولا كنيسًا يهوديًا، وإنما بنى لله مسجدًا، هذا هو المسجد الأقصى.
موت سليمان عليه السلام
واستمر سليمان عليه السلام في ذلك الملك العظيم حتى قبضه الله في أوج قوته ومملكته، {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (سبأ:14) .
وهكذا كان التسخير لدرجة أن الجن ما درت عن موت سليمان، والشياطين يعملون كل بناء وغواص بناءً على الأوامر السابقة، وهكذا لم يستطيعوا الخروج عن سيطرته وأوامره بعد موته، فلما أوقعنا عليه الموت، وذهب الملك لقبض روحه، وكان متكئًا على عصاه، فقبضت روحه على وضعه متكئًا، والجن يقبلون ويدبرون ويرون سليمان قائمًا يصلي، ويعملون وهم أذلاء مقهورون مغلوبون، حتى أرسل الله دابة الأرض، الأرضة التي تأكل الخشب، إلى عصى سليمان تأكل منسأته وتنخرها من الداخل، حتى لم تعد العصا تحمل جسم سليمان الميت، فانكسرت وخر الجسد على الأرض، وفوجئ الجن بذلك، وأنه ميت من مدة تبينت الجن وليس فقط الإنس أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يعملون، وهكذا مكث مدة طويلة.
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: نحوًا من سنة، حتى خر والموت لا بد منه لكل حي، وهكذا
لو أن حيًا ينال الخلد في مهل ... لنال ذاك سليمان بن داود ...
هذا لتعلم أن الملك منقطع ... إلا من الله ذي التقوى وذي الجود
هذه القصة العظيمة أيها الأخوة التي تدل على أهمية تسخير الإمكانات في نصرة الدين، وأن كل واحد فينا سواء كان عنده مركب أو خبرة أو مال أو قوة من أي نوع عقلية تقنية، جسدية، عضلية، أن يهب ذلك في خدمة الدين، وأن يسخر ما آتاه الله، وهذا الأخذ بأسباب القوة ثم إنفاق ذلك في خدمة الدين هو الدرس العظيم الذي يؤخذ من سيرة سليمان عليه السلام، ولنا وقفة أخرى إن شاء الله تعالى مع قصة سليمان عليه السلام والهدهد ومملكة بلقيس في فرصة أخرى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا تدبر كتابه، وأن يرزقنا التأسي بأنبيائه، وأن ينعم علينا بشكر نعمته والعمل لدينه، إنه سميع مجيب قريب.
وصلى الله على نبينا محمد.