فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 9

قال الإمام أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا، ولا نغتاب الناس. (الروض المربع)

إذا لم يكن في السمع مني تصاون *** وفي بصري غض وفي منطقي صمت

فحظي إذا من صومي الجوع والظما *** فإن قلت إني صمت يومي فما صمت

وما أوصيك به في هذا الشهر وغيره: احفظ لسانك، نعم هذه العضلة التي لا يتعب الإنسان من تحريكها، فكم في المقابر من صريع اللسان، بل كلمة واحدة قد يشقى بها الإنسان، قال النبي: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، ... (أخرجه الإمام مالك)

وليس شيء أحق بطول سجن من اللسان، قال سفيان بن عيينة: طول الصمت مفتاح العبادة.

وقال: الفضيل: ما حج، ولا صام، ولا رابط، ولا اجتهاد أشد من حبس اللسان!! وجرّب هل تستطيع أن لا تتكلم إلا بخير يُكتب لك! كم مرة تكلمت اليوم في فلان، وفي زميلك في العمل؟

"إن أولئك الذين لا يهذب رمضان أخلاقهم، ولا يغير من طباعهم، بل قد يزيدون سوء، ويغضبون لأتفه الأسباب، إن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الصيام. والأسوء من ذلك أن بعضهم قد يتحجج لحدة طبعه وسوء خلقه بأنه صائم!! أهذا ثمرة الصيام؟! (العمر ص38) "

هذا ما صام الصوم المطلوب؛ إنما امتنع عن الطعام والشراب عادة؛ لأن الناس يفعلون هكذا، وعيب أن أخرج عن عادة الناس!!

(8) التذكير بنعمة الله:

عندما يحس الصائم ألم الجوع، وحرارة العطش في نهار رمضان؛ يتذكر البؤساء والفقراء الذين لا يجدون ما يكفيهم من ذلك طوال السنة. فيتساوى عندها الغني والفقير في الجوع، فتذهب غفلة الشبعان عن الجائع، ويتذكر الموسر حال المعسر، ويتقي الله فيما سيسأله الله عنهم، فيأتي رمضان ليذكرنا أولا بهذه النعمة التي نحن فيها فنشكرها، ويذكرنا ثانيا بمن حولنا من الفقراء الذين ذقنا ألم جوعهم وحرارة عطشهم، فنمد لهم يد الرحمة، ونمسح عنهم ألم البؤس، وندخل السرور على أطفالهم كما نحبه لأطفالنا، عندها تنشأ الرحمة بين الناس، وتزول الكراهية والحسد.

والشكر الصحيح والمطلوب هو: حُسن التصرف بالنعم، وذلك باستعمالها في طاعة الله، والاستعانة بها على حمل رسالته، وعدم صرف شيء منها في معصيته.

والصوم الصحيح يُحقق المعرفة بالنعمة، ويُوقظ الشعور إلى حُسن التصرف فيها، ولذا ختم الله الآيات المتعلّقة بالصيام بقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185القرة) (الدوسري ص32)

والأكل والشرب ليس هو فقط النعمة، بل نحن في نعم عظيمة تستحق التأمل؛ نعمة الإيمان والهداية لهذا الدين، ونعمة الهداية في الدين.

ومن النعم أن الله أبقاك إلى رمضان وأخذ غيرك!!

ومن النعم الصحة، جاء رجل إلى يونس بن عبيد؛ يشكو ضيق حاله. فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تُبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. (يعني ماذا أفعل بمائة ألف وأنا أعمى) . قال فبيدك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجلك؟ قال: لا. فذكّره نِعَمَ الله عز وجل. ثم قال يونس: أرى عندك مئين الألوف، وأنت تشكو الحاجة!! (صلاح الأمة ج5 ص 486)

قال عبد الله بن أبي داود: رأيت في يد محمد بن واسع قُرحةً، فكأنه رأى ما شقّ عليّ منها، فقال لي: أتدري ماذا لله عليّ في هذه القُرحة؟! حين لم يجعلها في حَدَقتي، ولا لساني، .. ، فهانت عليّ قُرحته. (صلاح الأمة ج5ص488)

ومن النعم: ما يصرفه الله عنك من الذنوب؛ وأنت ترى غيرك يهلك فيه!

ومن النعم: شكر النعم، أن يُفقك الله لشكر نعمته عليك هذه نعمة:

إذا كان شكري نعمةَ الله نغمةً *** عليّ له في مثلها يجب الشكر

فكيف وقوع الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتّصل العمر

إذا مسّ بالسّراء عمّ سرورها *** وإن مس بالضرّار أعقبها الأجر

وما منهما إلا له فيه مِنَّةٌ *** تضيق بها الأوهام والبرُ والبحر

(9) الصوم والصحة:

مع أن الصوم عبادة جزاؤها الأجر والثواب في الآخرة .. إلا أن من بديع الحكمة والرحمة الإلهية أن يتعبّدنا ربنا بما فيه خيرنا في العاجل والآجل، فتكون العبادات سببا في العافية وصحة البدن و سلامته ..

ولا شك أن في الصيام فوائد عديدة للجسم، ويتضح ذلك فيما يلي:

1 -الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء، ويعمل على طرحها، والتي يمكن أن يؤدي طول مكثها إلى تحوّلها لنفايات سامة، كما أنه الوسيلة الوحيدة الفعالة التي تسمح بطرد السموم المتراكمة في الجسم.

2 -بفضل الصوم تستعيد أجهزة الإطراح والإفراغ نشاطها وقوتها، ويتحسّن أداؤها الوظيفي في تنقية الجسم، مما يؤدّي إلى ضبط الثوابت الحوية في الدم و سوائل البدن. لذا نرى الإجماع الطبي على ضرورة إجراء الفحوص الدموية على الريق .. أي يكون المفحوص صائما، فإذا حصل أن عاملا من هذه الثوابت في غير مستواه .. فإنه يكون دليلا على أن هناك خللا ما.

3 -بالصوم يستطيع الجسم تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت